فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 110

بعده الدليل الثالث.

3 -حديث أنس الآخر: وهو أن رجلًا رفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سكر فأمر قريبًا من عشرين رجلًا فجلده كل رجل جلدتين بالجريد والنعال .

ويمكن أن يناقش حديث أنس هذا بما نوقش به حديثه هناك من قولهم: إنه ليس في الحديث دليل على الأربعين، لاختلاف الرواية عن أنس، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقصد بالأربعين التوقيت، ولتشاور الصحابة في الأمر ولو كان لديهم دليل لما تشاوروا.

كما يمكن أن يجاب بما أجيب به هناك: من أن الروايات التي لم تصرِّح بالأربعين تحمل على التي صرَّحت بها، وبأنه إذا ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - فهو حجة، وبأن تشاور الصحابة كان في الزيادة على الأربعين، على نحو ما تقدم تفصيله [1] .

يُردُّ كذلك بأن الروايات التي صرَّحت بالأربعين هي تقديرية وليست نصًا.

4 -دليل المعنى: حيث قيل إن شارب الخمر قد هتك حرمة واحدة في حق الله تعالى فكان أخف من غيره فيكون أربعين .

ويمكن أن يناقش هذا: بأن شرب الخمر وإن كان في ذاته أقل من غيره من جرائم الحدود، لكنه قد يؤدي إلى جرائم خطيرة لا يؤدي إليها الزنا ولا القذف ، كالقتل ووطء المحارم . إضافة إلى أن الحدود تثبت بالتوقيف ، لا بالتعليل . والله تعالى أعلم .

ثالثًا: مناقشة أدلة القول الثالث وهو القول بأن عقوبة الخمر حد من حدود الله تعالى وهو الضرب من غير تحديد لعدده:

هذا القول وُجِّه إليه نوعان من المناقشة: النوع الأول: مناقشة القول نفسه. النوع الثاني: مناقشة أدلته .

النوع الأول: مناقشة القول نفسه:

يمكن أن يناقش القول نفسه بأن في مؤداه تناقضًا، حيث قيل فيه بأن عقوبة شرب الخمر حد غير مقدر، فالحد لابد أن يكون مقدرًا وإلا لم يسمَّ حدًا.

ويجاب عن ذلك بما يلي:

إن إطلاق اسم الحد على العقوبة المقدرة فقط ليس أمرًا مقررًا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل هو اصطلاح حادث بعد زمن النبوة . وإنما كانت كلمة"حد"في زمن النبوة تعني المعصية والذنب مطلقًا سواء كانت عقوبته مقدرة أو غير مقدرة ، قليلة كانت أو كثيرة ، صغيرة أو كبيرة، لحق الله تعالى أو لحق آدمي . ومن ذلك قوله تعالى: { تلك حدود الله فلا تقربوها } [2] . أي معاصيه ومحارمه . ومن ذلك حديث: ( لا يُجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله ) [3] . إذ أن معنى الحديث أنه لا يُجلد فوق عشرة أسواط في التأديب والتوجيه ونحوهما لا في العقوبات التي سببها ارتكاب المحرمات، فإن هذه يزاد فيها عن عشرة أسواط ، سواء كانت مقررة ومقدرة أو غير مقدرة . قال ابن تيمية: ( والحديث الذي في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا يُجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" [4] . قد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد بحدود الله ما حُرِّم بحق الله ، فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام ، مثل آخر الحلال وأول الحرام ، فيقال

(1) ... تقدم تفصيل ذلك في مناقشة حديث أنس الأول ضمن أدلة القائلين بالثمانين.

(2) سورة البقرة الآية 187.

(3) صحيح البخاري 8/31، صحيح مسلم 3/1332-1333.

(4) تقدم تخريج الحديث آنفًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت