ولعل مما يؤكد موادعة وإسلام القبائل القاطنة على طريق قوافل قريش - منذ وقت مبكر - إرسال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لسرية حمزة بن عبد المطلب ومعه ثلاثون من المهاجرين نحو سيف البحر ليعترض عير قريش، وذلك في أراضي قبيلة جهينة، وكانت عير قريش يقودها أبو جهل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، فالتقوا حتى اصطفوا للقتال، فمشى بينهم بالصلح مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفًا للفريقين حتى انصرف القوم.
"فلما رجع حمزة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خبّره بما حجز بينهم مجدي، وأنهم رأوا منه نصفة لهم، فقدم رهط مجدي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فكساهم وصنع لهم خيرًا، وذكر مجدي بن عمرو فقال: إنه ما علمت ميمون النقيبة، مبارك الأمر، أو قال: رشيد الأمر" [1] . ومن الأدلة على إسلام هذه القبيلة كذلك، ونصرتها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما حدث لطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد حيث أرسلهما الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجه من المدينة إلى بدر بعشر ليال، يتحسسان خبر عير قريش، فخرجا حتى نزل على كَشَد الجهني بالتجبار من الحوراء ـ والتجبار من وراء ذي المَرْوة على الساحل ـ فأجارهما وأنزلهما، ولم يزالا مقيمين عنده في خباء حتى مرت العير، فرفع طلحة وسعيد على نَشَز من الأرض، فنظرا إلى القوم، وإلى ما تحمله العير، وجعل أهل العير يقولون: ياكشد هل رأيت أحدًا من عيون محمد؟ فقال، أعوذ بالله، وأنى لعيون محمد بالتُجبار، فلما راحت العير باتا حتى أصبحا ثم خرجا، وخرج معهما كشد خفيرا، حتى أوردهما ذا المروة، وساحلت العير فأسرعت، وساروا الليل والنهار فرقا من الطلب وقدم كشد بعد ذلك فأخبر النبَّي - صلى الله عليه وسلم - سعيدٌ وطلحة إجارته إياهما، فحباه رسول الله وأكرمه، وقال: ألا أقطع لك ينبع، فقال إني كبير وقد نفذ عمري، ولكن
(1) الواقدي 1/ 9؛ وانظر خبر هذه السرية عند ابن هشام 2/ 595؛ ابن سعد 2/ 6؛ الطبري 2/ 402.