فهرس الكتاب
وما هو ثابت لدى المحققين في حياة الشافعي العلمية، أنه كان يدعو إلى ضرورة الإلمام الشامل بفنون اللغة العربية، لأن فهم النصوص لا يتأتى بغير ذلك، فأصحاب العربية أخلق بتأويل وفهم معاني القرآن والسنة، ينقل معروف الدواليبي إشادة الشافعي بأهل العربية فيقول:"أصحاب العربية جن الإنس يبصرون ما لا يبصر غيرهم" [1] .. ومصطلح"العربية"كان يطلق عصرئذٍ على علوم العربية كالنحو والبلاغة، ويعني ذلك أن الشافعي كان ذا اطلاع واسع بعلم العربية، وطرق تأدية المعاني من غير لبس، وظاهر ذلك من المباحث اللسانية والدلالية التي أثارها في كتابه"الرسالة"، وملخصه كتاب:"أحكام القرآن"، لقد عقد الإمام الشافعي بابًا عن الاختلاف بين الأحاديث في رسالته مثبتًا أن اتفاق العبارات لا يعني اتفاق المدلولات. يقول الشافعي موضحًا وكاشفًا أسرار بلاغة الحديث الشريف:"ويسن بلفظ مخرجه عام جملة بتحريم شيء أو بتحليله ويسن في غيره خلاف الجملة فيستدل على أنه لم يرد بما حرم ما أحل ولا بما أحل ما حرم" [2] .. إن هذا الفهم العميق لمقاصد الكلام ينم عن امتلاك الشافعي لحس لغوي، مطّلع على سنن القول ودلالاته، ومراس طويل للفصيح من لسان العرب، بل إن رصف الألفاظ وحسن وقوعها في سياق الجملة، مما يبين عن دلالة اللفظ الذي كان مبهمًا في صيغته المعجمية، وهي إشارة إلى فضل تسييق اللفظ من أجل تحديد دلالته، وهو ما نادت به النظرية السياقية (Theorie Contextuelle) حيث استقر لدى أصحابها من علماء الدلالة، أنْ ليس للفظ من دلالة إلا دلالته السياقية، يقول الشافعي في إشارته إلى معنى اللفظ السياقي عند العرب في كلامها:"وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوله [3] ،"
(1) المدخل وإلى علم أصول الفقه ـ ص 76.
(2) كتاب الرسالة ـ ص 214.
(3) المصدر السابق، ص 52..