فهرس الكتاب
إن هذا التعيين الدقيق لمنافذ المعرفة، وهذا التقسيم الواضح لأصناف اللفظ والدلالة، يؤكد أن الشافعي في الصدر الأول كان ذا وعي لغوي كبير بمستويات الكلام، وهو ما جعله حقيقة في طليعة العلماء الذين وضعوا منهجًا بيّنا في استنباط الأحكام، وحصر الدلالات المختلفة، بالنظر الدقيق لظاهر الخطاب اللغوي وباطنه، ثم إن المادة اللغوية التي كان الشافعي يرتكز عليها أساسًا لإصدار السنن الدلالية المطردة هو نصوص القرآن الكريم وما صح من الحديث الشريف، وهذا ما يعطي لتلك الأحكام مكانتها من الدقة وصيرورتها لأن تكون شاملة لكلام العرب، وسننها في فن القول والكتابة، ويكفي أن نعرض لعناوين بعض الأبواب التي بحثها الشافعي لنستشف عمق التقسيم لمستويات الكلام عنده، يقول:"باب بيان ما أنزل من الكتاب عامًا يراد به العام ويدخله الخصوص"،"باب ما أنزل من الكتاب عام الظاهر وهو يجمع العام والخصوص"،"باب مانزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص [1] ، وغيرها من الأبواب، إن أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي أدنى مستوى من الفصاحة وحسن التأليف من القرآن الكريم تكتسي عند الشافعي مقامًا رفيعًا وهي أقرب إلى كلام العرب الفصحاء، مستوى من القرآن الكريم الذي يبقى من أعلى مستويات الكلام على الإطلاق. وفي ذلك مايجيز سحب تلك القوانين التي خصها الشافعي أحاديث النبي على كلام العرب."
(1) المصدر السابق، ص 53-56-58.