فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 348

ولصعوبة إنشاده ثلاث مرات متتالية ظن البعض من اللغويين أنه من أشعار الجن، وذلك لما بين كلماته من تنافر يعسر نطقها مجتمعة في سياق واحد، ولما في إنشادها من الاستكراه والنبو، والبلاغة عند الجاحظ ليس إلا أن تؤلف في نسق صحيح بين كلمات أو بين حروف اللفظ ثم تراعي حسن موقع المعنى من ذلك لتقذفه إلى سمع المتكلم فإذا هو يعيَه ويستوعبه يقول الجاحظ:"لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك" [1] ، ثم إن القدر المساوي بين اللفظ والمعنى يقتضي أن يصرف المتكلم كلامه على وجه لا إطناب فيه، ولا حشو لأن تآليف الكلام سليمة واقتضاؤها للمعنى صحيح يقول الجاحظ:"وإنما الألفاظ على أقدار المعاني فكثيرها لكثيرها وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها، والمعاني المصغرة البائنة بصورها وجهاتها تحتاج من الألفاظ إلى أقل ما تحتاج إليه المعاني المشتركة والجهات الملتبسة" [2] فعلى قدر المعاني تأتي الألفاظ، فقد تكفي الإشارة الحقيقية للمعنى الظاهر البعيد عن اللبس وقد تتطلب المعاني الخفية التي تحتمل دلالات كثيرة إلى ألفاظ كثيرة قصد إجلاء الدلالات المشتركة والإبانة عن المعنى المراد. وإن إدراك الجاحظ إلى أن اللفظ هو عبارة عن مقاطع صوتية تنتج عنها حروف وأصوات، ليعبر عن القدرة التي أوتيها في معاينة اللغة يضاهي في ذلك ما أشار إليه أندري مارتينه في قوله بالتلفظ المزدوج Double articulation يقول الجاحظ:"الصوت وهو آلة اللفظ والجوهر الذي يقوم به التقطيع وبه يوجد التأليف ... ولا تكون الحروف كلامًا إلا بالتقطيع والتأليف" [3]

ب ـ أصناف العلامة عند الجاحظ:

(1) المصدر نفسه، ج1، ص 81.

(2) الحيوان، ج6، ص 08.

(3) البيان والتبيين، ج1 ص، 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت