فهرس الكتاب
يذهب الجاحظ في البحث عن أصل اللغة مذهب القائلين بالتوقيف لا التوفيق، ويقدم لصحة مذهبه أدلة وحجج منها كلام عيسى ـ عليه السلام ـ بالحكمة وهو صبي، كما أن آدم وحواء كانا محتاجين للغة، للتفاهم والتحاور والتشاور فأخذ الله بأيديهم وألهمهم لغة، وحيًا من عنده، ثم إن القرآن الكريم قد أتى بألفاظ لم يعرفها العرب في جاهليتهم وذكر الجاحظ بعضًا منها كتسمية كتاب الله قرآن، والتيمم مسح على التراب، والقذف فسق، إن ذلك كله لم يكن في لغة أهل الجاهلية. [1] ومع ذلك أقر الجاحظ بوجود ألفاظ جديدة كانت ثمرة للتواضع والاصطلاح بين أهل اللغة استدعتها ظروف مستجدة، وعلوم فرضت مصطلحات جديدة حتى غدا لجمهور الفقهاء وعلماء أصول الفقه وأهل اللغة والأدب، لكل معجمه الخاص، فكان ذلك اصطلاح على نظام علامي داخل نظام علامي عام. فالجاحظ كان يميل إلى القول بأن اللغة إلهام في الأصل إلا أنه يقول بالاصطلاح كذلك لأن المعاني غير متناهية، والعالم الدلالي غير محصور ولذلك قد يلجأ المتكلم إلى الاحتيال على نفسه وعلى اللغة، وذلك ليغطي عن قصوره وقصورها، لأنه لا يستطيع أن يحيط بعالم المعنى كما أن اللغة لا يمكنها أن تعبر عن كل ما يشكل عالمه الدلالي، فيلجأ عندئذٍ إلى اختراع أنظمة جديدة للتواصل يكون للاصطلاح فيها المحل الأول ولكنها ـ هذه الأنظمة الجديدة ـ تعيش داخل نظام كلي عام هو اللغة الأصلية الأولى.
هـ ـ الدلالة السياقية عند الجاحظ:
(1) انظر الحيوان، ج1، ص 280-281.