فهرس الكتاب
وبعد أن أوضح الجاحظ مقام المعاني بالنسبة للألفاظ ومقامها في ذهن المتكلم إذ هي أقدار وأحوال وليست على درجة واحدة من الاستعمال، فما يصلح لهذا المقام والحال قد لا يصلح لمقام وحال آخرين، وهذا ما عنته النظرية المقامية، يقول الجاحظ كاشفًا عن الدلالة المقامية أنه ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وحالاتهم، فيجعل لكل طبقة منهم كلامًا يخصهم به حتى يقسم بالتساوي أقدار الكلام على أقدار المعاني ويقسم المعاني على أقدار المقامات التي هم عليها المستمعون وحالاتهم [1] . فالمعاني إذن تصنف وترتب بحسب أصناف الناس في المجتمع وتباين مقاماتهم وأحوالهم. وتلك رؤية علمية في غاية الدِّقة لطبيعة وجوهر العملية الإبلاغية، التي يراعى فيها الشروط الموضوعية (الخارجية) والشروط الذاتية التي يتصف بها الخطاب وصاحبه وهو ما تنادي به بعض المدارس اللسانية الحديثة التي تدعو إلى ضرورة الإحاطة بوضع المتلقي النفسي والاجتماعي حتى لا يقع المعنى في انسداد دلالي. وتلك إشارة إلى وجوب التوفيق عند المتكلم بين خطابه ومقام المستمع المتلقي، ويعني ذلك أن المتكلم كان قد قام بمطابقات تركيبية تشمل المطابقة النحوية (التأليف على سمت كلام العرب) ، والمطابقة البلاغية (معرفية الفصل من الوصل) فضلًا على المطابقة بين اللفظ والمعنى وحسن موقع الكلمة من السياق، وهو ما تشير إليه نظرية الوقوع أو الرصف (collocational theory) حيث يعرف ستيفن أولمان الوقوع أو الرصف بقوله:"هو الارتباط الاعتيادي لكلمة ما في لغة ما بكلمات أخرى معينة". [2]
(1) المرجع السابق، ج1، ص81.