فهرس الكتاب
الفرق بين الحقيقة والمجاز، وثانيهما في: أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة.
في الباب الأوّل تناول أبو الفتح بن جني تعريف الحقيقة والمجاز على أساس الوضع الأوّل الذي يحدّد الاستعمال الأصلي للصيغة، أمّا دواعي انتقال اللفظ من دلالته الحقيقية إلى دلالة المجاز فقد حصرها ابن جني في ثلاث: الاتساع والتوكيد والتشبيه. فانتقاء هذه الدواعي يبقي اللفظ على دلالته الحقيقية، يعرّف ابن جني الحقيقة والمجاز فيقول:"الحقيقة: ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة. والمجاز: ما كان ضدّ ذلك" [1] . ثم يحدد دواعي التجوز فيقول:"وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة، وهي: الاتساع والتوكيد والتشبيه، فإن عدم هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة" [2] . فالمجاز في أصله هو إضافة معنى جديد إلى المعنى القديم (الحقيقة) ، وفي ذلك توكيد للمعنى وتشبيه المعنيين الأوّل بالثاني.
أمّا الاتساع فلأن في لائحة الملامح الحقيقية للدال يُضاف ملمح جديد على سبيل المجاز، يقرّر ابن جني بتطبيق إجرائي فيقول"... وكذلك قول الله سبحانه: (وأدخلناه في رحمتنا) هذا هو مجاز، وفيه الأوصاف الثلاثة، أمّا السعة فلأنه كأنه زاد في أسماء الجهات والمحالّ اسمًا هو الرحمة، وأمّا التشبيه فلأنه شبّه الرحمة - وإن لم يصح دخولها -بما يجوز دخوله فلذلك وضعها موضعه. وأمّا التوكيد فلأنه أخبر عن العرض بما يخبر به عن الجوهر. وهذا تعال بالعرض، وتفخيم منه إذ صيّر إلى حيز ما يشاهد ويلمس ويعاين" [3] . وإنّ تحقق هذه المعاني مرتبط بوجود قرينة صارفة من إتيان المعنى الحقيقي لفظية في المجاز اللغوي وعقلية في المجاز المرسل.
(1) الخصائص ج2، ص442.
(2) المصدر السابق، ج2، ص442.
(3) المصدر السابق، ج2، ص443.