فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 348

أمّا في الباب الثاني فبعد طول معاينة للغة، يرى ابن جني أنّ أكثر كلام العرب إنّما هو مجاز وذلك ناتج عن كثرة دوران اللفظ على الألسنة، بدلالته المجازية اكتسب سمة الدلالة الحقيقية، وإنّ تلك التراكيب اللغوية التي تخالها ذات دلالة حقيقية هي في الأصل ذات دلالة مجازية محققة لتلك المعاني الثلاثة التي ذكرنا، ويسوق ابن جني في سبيل أمثلة كثيرة، يقول:"إعلم أن أكثر اللغة مع تأملّه مجاز لا حقيقة، وذلك عامّة الأفعال، نحو قام زيد، وقعد عمرو ( ... .) وجاء الصيف، وانهزم الشتاء ..." [1] ويلمس ابن جني البحث في الزمن الطويل الغابر، عن الأصل الذي وظّفت لسببه الكلمة وهو محاولة الجمع بين التكوين اللغوي للكلمة ودلالتها المتداولة آنيًا، ففي بحثه عن أصل فعل (ع ق ر) ودلالته على الصوت في قولنا: (رفع عقيرته) يقول ابن جني:"أنّ رجلًا قطعت إحدى رجليه فرفعها، ووضعها على الأخرى ثم صرخ بأعلى صوته فقال الناس (رفع عقيرته) [2] . فكان الأصل في استعمال (ع ق ر) للدلالة على الصوت المرتفع كالصراخ ولكن خفيت أسباب التسمية لبعدها الزمني فأضحت تدل على من رفع رجله دلالة حقيقية مع أنها في أصل وضعها كانت تدل على الصوت. فحصل نقل لدلالة اللفظ من مجال إلى مجال، انتقلت عبره المجازات إلى الاستعمال العادي الحقيقي. ويلجأ ابن جني إلى تقديم العلل المنطقية الفلسفية [3] على صحة ما ذهب إليه. وإن كنّا نرى أن رؤيته هذه في علاقة الدلالة بالحقيقة والمجاز أن فيها بعض التعسف لأنه إذا قلنا أن أكثر اللغة مجاز وحاولنا أن نردّ كل صيغة إلى دلالتها الأصلية لألفينا صيغًا قد تعرّضت لحركة نقل متتالية فنردّها إلى أصل هو بذاته مجاز، ولظللنا نتبع الأصول فلا نعثر إلاّ على الفروع."

(1) انظر المصدر نفسه، ج2 من، ص442 إلى ص458.

(2) المصدر نفسه، ج1، ص66.

(3) المصدر نفسه، ج2، ص488: انظر التعليل الذي قدمه للتركيب (قام زيد) على اعتباره تعبيرًا مجازيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت