فهرس الكتاب
وهذا حقيقة ماهو سمة في اللغة التي من مميزاتها المرونة والتغيير ورفض كل قاعدة تريد أن تبقيها متحجرة جامدة.
5-نشأة اللغة: يناقش ابن جني قضية نشأة اللغة التي نجد لها حضورًا مكثّفًا في مؤلفات الأقدمين ولعلّ ذلك راجع إلى ارتباط هذه القضية بمشكلة كانت نقطة خلاف كبيرة بين العلماء، بل تعدّ سبب الاصطدام الذي حصل بين السياسي والديني ونعني بها مشكلة"خلق القرآن"يعرض ابن جني لآراء علماء عصره في مسألة نشأة اللغة فيصرح في باب القول على أصل اللغة أنها إلهام أم اصطلاح:"هذا موضع محوج إلى فصل تأمّل، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف. إلا أن أبا علي رحمه الله -قال لي يومًا: هي من عند الله، واحتج بقوله سبحانه:"وعلّم آدم الأسماء كلها" [1] وهذا لا يتناول موضع الخلاف. وذلك أنّه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة" [2] . وبهذا التعليق الأخير على قول أبي علي الفارسي يكون ابن جني قد أفصح عن مذهبه فكان أميل إلى القول بعرفية الدلالة اللغوية مقدّمًا تأويلًا للآية الكريمة السابقة الذكر. يكاد يجمع عليه أغلب العلماء الذين قالوا بالاصطلاح، يعني، أن الإنسان قد ركّبت فيه استعدادات فطرية، وقواعد ذهنية بها يستطيع أن يسمّي الأشياء، ويضع نظامًا علاميًا مطردًا مع كل الأشياء الجديدة على غرار وضعه للرموز التي تخصّ نظام المرور أو تلك المستعملة في نظام الملاحة البحرية (الإشارات الضوئية) فهذا كلّه من باب التواضع والتوفيق، والحقيقة أن ابن جني لا يكاد يستقّر على رأي حيث ذكر مذهب الذين قالوا بطبيعية اللغة، المستلهمة من أصوات الطبيعة، واستحسنه وقبله.
(1) سورة البقرة الآية: 31.
(2) الخصائص ج1، ص40-41.