فهرس الكتاب
يقول في ذلك:"وذهب بعضهم (أي بعض العلماء) إلى أن أصل اللغات كلها إنّما هو من الأصوات المسموعات كدويّ الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء. وشحيح الحمار، ونعيق الغراب وصهيل الفرس وتريب الظبي، ونحو ذلك، ثم وُلدت اللغات عن ذلك بينما بعد. وهذا عندي وجه صالح، ومذهب متقبل" [1] . ولكن ابن جني ما يلبث أن يقوي في نفسه شعور يجذبه إلى الاعتقاد بكون اللغة توقيفًا من عند الله تعالى، وذلك ظاهر من تناسق أجزائها وموافقتها لكل حال ومقام، ثمّ ما اجتمع لديه من أقوال العلماء من أساتذته من أنّ اللغة وحي وإلهام من عند الله. كل ذلك دفع ابن جني إلى ترجيح المذهب القائل بتوقيفية اللغة يقول في ذلك:"إنّني إذا ما تأملت حال هذه اللغة الشريفة، الكريمة اللطيفة، وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقّة ما يملك عليّ جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة [2] السحر، فمن ذلك ما نبّه عليه أصحابنا -رحمهم الله-، ومنه ما حذوته على أمثلتهم، فعرفت بتتابعه وانقياده وبعد مراميه وأماده صحّة ما وفّقوا لتقديمه منه" [3] .
(1) الخصائص، ج1، ص46.
(2) غلوة السحر: الغاية في سباق الخيل، يريد أنه يدنو من غاية السحر.
(3) المصدر السابق، ج1، ص47.