فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 348

وخلاصة موقف ابن جني من نشأة اللغة أنه وقف موقفًا وسطًا فقال بالإلهام والاصطلاح معًا، يوضّح ذلك ما ختم به هذا الباب حيث افترض أن يكون الله تعالى قد خلق قبلنا أقوامًا كانت لهم القدرة التي مكنتهم على الاصطلاح والتواضع في تسمية الأشياء، يقول أبو الفتح موضحًا موقفه ومعبّرًا في ذات الوقت عن حيرته بين القول بعرفية اللغة أو القول بالإلهام:"فأقف بين تين الخلتين (الإلهام والعرف) حسيرًا، وأكاثرهما فأنكفئ مكثورًا وإن خطر خاطر فيما بعد، يعلّق الكف بإحدى الجهتين ويكفها (أو يفكها) عن صاحبتها قلنا به" [1] . وما يجدر ملاحظته هو أن موضوع نشأة اللغة كان من ضمن المواضيع التي أسهب البحث فيه علماء اللغة المحدثون، وجدّوا في تقديم العلل الراجحة لذلك، تهدف إلى تأسيس رؤية موضوعية تأخذ الظواهر اللغوية النموذجية (القرآن الكريم -الأحاديث الشريفة -كلام العرب الفصيح) كمعطى لوضع معايير مطردة تتناول اللغة في بعدها الشامل وفي جميع مستوياتها المعجمية والتركيبية، وإنّ ذلك من شأنه أن ينقل البحث في أصل اللغة -الذي عدّه بعض اللغويين بحثا ميتافيزيقيًا -إلى البحث في آلياتها التي تشرف على ضبط الدلالات المختلفة، خاصة إذا علمنا أن الدلالة قد ولجت كل مجالات المعرفة والثقافة في العصر الحديث بل وكل ميادين الحياة.

4-الجهود الدلالية عند ابن سينا (373هـ-427هـ) :

(1) المصدر نفسه، ج1، ص47، وانظر باب في اللغة: أفي باب واحد وضعت أم تلاحق تابع منها بفارط -ج2- ص28-29-30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت