فهرس الكتاب
ثم لتعيين العلاقة بين الدال والدلول يستدعي إدراك العلاقة بين المدلول والشيء الخارجي وذلك ما أشارت إليه المباحث اللسانية الحديثة التي أكدت أنْ لا علاقة مباشرة بين الدال والمدلول وإنما العلاقة الحقيقية هي بين الرمز اللغوي ومحتواه الذهني (concept) ، إلا أن وعي الإنسان اعتاد على ربط الدال بالشيء الخارجي ربطًا مباشرًا دون وعي بالمحتوى الذهني في العلاقة الدلالية بين الدال والمدلول، ولذلك يرى ابن سينا أن العلاقة الدلالية تنعقد بين المعنى (المدلول) والشيء في العالم الخارجي تأكيدًا أن لا علاقة مباشرة بين الدال والمدلول يقول موضحًا ذلك:"فما يخرج بالصوت يدل على ما في النفس وهي التي تسمى آثارًا والتي في النفس تدل على الأمور وهي التي تسمى معاني" [1] . ويمكن توضيح ذلك بالمثلث التالي:
ما في النفس (المحتوى الذهني)
الأمور الخارجية (المعاني) الصوت (الرمز اللغوي)
ولا تكفينا المقارنة لنقارب مثلث ابن سينا الدلالي بمثلث ريشتاردز وأوجدن، بل إن ابن سينا كان أعمق في إدراك جوهر الدلالة من المحدثين، فسمى الرمز اللغوي (صوتًا) وذلك إشارة كذلك إلى الرمز غير اللغوي، فما كل صوت، لفظ لغوي، ثم سمّى ما في النفس آثارًا وذلك لأنّ ارتسام صورة الرمز في النفس يشكل آثارًا تتحول إلى تراكمات للمعاني الذهنية في الذاكرة فكلما تحقق مسموع صوت ارتسمت في الخيال صورته.
(1) العبارة من الشفاء، ص2-4.