وفي هذا المجال النظري البين المعالم يندرج هذا البحث كخطوة مرحلية نحو معاينة لعطاءات التراث العربي في حقل اللغة، مستحضرًا الاهتمام في إسهامات عالم من علماء أصول الفقه، وربما كان ارتباط علم الدلالة- موضوع بحثنا النظري- بعلم أصول الفقه، أقوى من ارتباطه بأي علم آخر من العلوم، ذلك أن علماء الأصول قدموا نماذج متقدمة جدًا في تعاملهم مع اللغة كمنظومة من العلامات اللسانية الدالة تخضع في حركيتها الخطابية إلى نواميس متحكمة في أداء وظائفها الدلالية، وساهموا منذ أوّل الآماد المبكرة في معالجة مشكلات لغوية، وما أضفى على نتاجهم المعرفي طابع الدقة والموضوعية هو اتخاذهم القرآن الكريم منطلقًا لاستنباط أحكامهم الفقهية العامة بالاستناد على الأحكام اللغوية التي من أظهر خصوصياتها الدلالة، وقد كان هؤلاء العلماء يحملون وعيًا معرفيًا أملى عليهم أن يتعاملوا مع القرآن الكريم باعتباره كتاب لغة محكمة يحمل شبكة من النواميس العميقة التي تتحكم في ضبط الدلالة بأدوات وقفوا عليها وحددوا على أساسها أحكامًا وقواعد أضحت فيما بعد مبادئ للتشريع. إذن، فالتناول الدلالي في التراث المعرفي العربي كان ضمن اهتمامات لغوية أخرى، امتزج البحث فيه بضروب معارف مختلفة من غير أن يحمل عنوانًا مميزًا، له استقلال في موضوعاته ومعاييره الخاصة. فسعيًا منا إلى تحقيق مقاربة علمية بين تراثنا الدلالي المتنوع، والمناهج الغربية الحديثة في ميدان علم السيمياء، حصرنا بحثنا في استنطاق بنية التراث اللغوي الدلالي، عند عالم أصولي يعد مفخرة القرن السادس الهجري بما توافر بين يديه من تراكم معرفي زاخر، أخرجه في كتابه الموسوم"بالإحكام في أصول الأحكام"هذا العالم هو سيف الدين الآمدي الذي نوه بعلمه المؤرخ ابن خلدون وذكره ضمن أربعة علماء متقدمين في علم أصول الفقه..