فهرس الكتاب
إن البحث في أصل اللغة من المسائل الفكرية الصعبة التي بقي معها فكر العلماء يدور في حلقة مفرغة، بحيث انقسمت آراؤهم حول تحديد نشأة اللغة، وبرزت في ثلاثة اتجاهات: اتجاه يذهب إلى أن اللغة توقيفية طبيعية، واتجاه يذهب إلى أن اللغة عرفية اصطلاحية واتجاه ثالث يجمع بين الرأيين. وكان جل العلماء اللغويين يأملون التوصل إلى تفسير شامل لهذه المسألة، ولكنه لم يتمكنوا من ذلك وأضحت أبحاثهم لا تقدم لمسألة نشأة اللغة أي حل مقنع قد يفتح المجال أمام جهود الباحثين في هذا الميدان، بل إن المسألة ازدادت تعقيدًا، بكثرة الآراء والنظريات التي نشأت حولها مما حدا بالجمعية اللغوية الفرنسية (la societe de linguistique) إلى إصدار قانون يمنع إلقاء محاضرات في موضوع نشأة اللغة. إن اعتماد النظريات اللغوية الحديثة على معطيات مبنية على الحدس والافتراض، هو الذي أبعدها من التوصل إلى نتائج علمية دقيقة، ولقيت بعض هذه النظريات اعترافًا علميًا، لأنها استندت في تعليلها لنشأة اللغة على معطيات لغوية ملموسة من ذلك نظرية (bow waw) التي تذهب إلى أن أصل اللغة هو محاكاة لأصوات استقاها الإنسان من الطبيعة، تدعم رأيها بوجود ألفاظ مأخوذة من أصوات تصدرها عناصر من الطبيعة كالزقزقة والخرير، والحفيف، والخشخشة، والعواء، والمواء وما إلى ذلك، رأي مماثل تذهب إليه نظرية الأصوات التعجبية العاطفية، وتفيد أن الكلمات الأولى التي نطق بها الإنسان، كانت أصوات تعجبية عاطفية تعبر عن ألم أو دهشة أو فرح من تلك الكلمات"أف"وي"أنين"وغير ذلك [1] .
(1) أنيس فريحة نظريات في اللغة ص17-18