فهرس الكتاب
إن الدرس الدلالي الحديث يهدف أساسًا إلى التعرف على القوانين التي تشرف على النظام اللغوي، وذلك بتحليل نصوص لغوية بقصد ضبط المعاني المختلفة بأدوات محددة وفي هذا سعي إلى تنويع التراكيب اللغوية لأداء وظائف دلالية معينة، وهذا التنويع هو الذي يثري اللغة إثراء يحفظ أصول هذه اللغة ولا يكون حاجزًا أمام تطورها وتجددها، ويمكن في خضم هذا البحث على النواميس الخفية"خلق"نواميس لغوية جديدة لتشرف على النظام الكلامي والخطابي بين أفراد المجتمع الواحد، يقول عبد السلام المسدي شارحًا ذلك بتعريفه لدور النحوي:"أما النحوي - نعني فقيه اللغة بالاصطلاح المطرد- فمرامه أن يعي وجود اللسان من خلال وجود الكلام، ويأتي عالم اللسان ليكون همه الوعي باللغة عبر إدراك نواميس السلوك الكلامي [1] وأشارت البحوث الدلالية، في خضم بحثها في موضوع اللغة، إلى أن اكتساب التراكيب اللغوية يخضع إلى التلقائية والعفوية أثناء الحدث الكلامي، غير أن هذه التلقائية تحمل في جوهرها تلك القواعد التي تحدد للغة الخطاب والتواصل إطارها، ويتعرف المجتمع اللغوي على سننها ويتمرس في توظيفها، يوضح عبد السلام المسدي ذلك قائلًا:"إن الحدث الكلامي يكتسب تلقائيًا عن طريق التحصيل بالأمومة، غير أن هذا الاكتساب الأمومي، سرعان ما يتحول إلى ضرب من الإدراك الخفي بقوانين تلك اللغة ذلك أن الظاهرة اللسانية من شروطها الأولية، أنها عقد جماعي يلتزم به الفرد ضمنيًا بعد أن يحذق استخدام ما تنص عليه بنوده الصوتية والنحوية والمعجمية والدلالية" [2] . وإلى هذه السنن اللغوية ذاتها أشار نوام تشومسكي في سياق حديثه عن البنية السطحية والبنية العميقة للغة، محددًا مسألة الأداء الكلامي والكفاية اللغوية التي تتيح للفرد التوصل إلى نسج جمل كثيرة وجديدة، بواسطة ما يحمل ذهنه من قواعد وسنن لغوية."
(1) عبد السلام المسدي: اللسانيات وأسسها المعرفية، ص104.
(2) المرجع السابق ص31.