فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 348

ولا تتوفر للغة هذه الحركية المتجددة في بنيتها، إذا لم تخضع علاقة الدال بالمدلول إلى (معيار) الاعتباطية الذي لا يقيد دالا بمدلوله، وإنما يكسب اللغة مرونة وقدرة على تجديدها كلها بابتكار مكونات أخرى. وتعميق البحث اللغوي في مسألة العلاقة بين طرفي الفعل الدلالي، أدى إلى الاعتقاد بأن اتصال الدال بمدلوله لم يبن على (معيار) الاعتباطية إنما الذي يوحي بوجود هذا المبدأ، هو قدم العلة التي ربطت الدال بمدلوله، حتى ليخال إلينا أنه لا وجود لعلة تجمع بينهما. يوضح بيار جيرو ذلك بقوله:"إن كل الكلمات تحتوي على العلة في البداية وتحتفظ غالبيتها بها زمنًا طويلًا إلى حد ما. وعلى هذا فإن العلة تكون إذن إحدى السمات الرئيسية للإشارة اللسانية" [1] .

إن (معيار) الاعتباطية في العلاقة الدلالية المعتمد في النظام اللغوي، تتحدد على أساسه العملية الإبلاغية والتواصلية، ذلك أنه كلما تحققت العلاقة الاعتباطية بكثافة في لغة الخطاب، كلما بلغ النظام التواصلي مداه وانتهى الجهاز الإبلاغي إلى حده الأوفى. ويدل ذلك على الطاقة التعبيرية الكبيرة التي تتوفر عليها اللغة المبينة علاقتها الدلالية على أساس الاقتران العرضي أو التعسفي، يبيّن المسدي ذلك بقوله:"إن مقبولية العلاقة بين الدال والمدلول في كل نظام تواصلي على أساس الاقتران المنطقي، تتناسب تناسبًا عكسيًا مع طاقة ذلك النظام المعتمد في الإبلاغ ( ... ) فكلما ثقلت كثافة التعسف الاقتراني في أي نظام إخباري، نزع نسقه الدلالي إلى طاقته القصوى. فالشحنة الاعتباطية في كل واقعة تواصلية هي المولد الدائم لسعة القدرة الإبلاغية التي تلتئم فيها" [2] .

(1) بيار جيرو علم الدلالة - ترجمة د. منذر عياشي ص46.

(2) اللسانيات وأسسها المعرفية: ص74

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت