الصفحة 25 من 42

لسنا نعني خلو السور المدنية من اللين والحوار الهادئ، بيدَ أنا نورد هذا بإزاء القول: إن القرآن المدني تأثر بالبيئة المتحضرة، وكان يجامل اليهود ويهادنهم، على عكس موقف الرسول من أهل مكة.

لقد استمر أسلوب الترهيب والترغيب في السور المدنية، فإن الحاجة تدعو إليه في مواقف كثيرة، فالزجر والتهديد والوعيد صاحب كثيرًا من التشريعات؛ لأن من منهج القرآن الكريم المزاوجة بين مسألتين، توهم كثيرون أنه فرق بينهما، وهما الجمع بين التشريعات، ومسائل العقيدة، وكذا العكس، فكان يأتي التشريع في سياق عقدي إيماني، وتأتي مسائل العقيدة في بعض مظاهر التشريعات، وحسبنا دليل واحد وهو قوله تعالى في سورة مدنية على الراجح، وهي سورة المطففين حين قال: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطففين: 1 - 5] .

كان من متطلبات المرحلة المدنية، مجيء التشريعات التي تنظم شؤون المجتمع والدولة، بعد أن صار للمسلمين مجتمعهم ودولتهم، وهو ما لم يكن في المرحلة المكية.

جعل العلماء وجود التشريعات في مجالاتها المتعددة علامةً على أن السور التي وردت فيها مدنية، والسور التي تخلو من التشريعات مكية. لقد كانت الجماعة المسلمة في مكة بحاجة إلى توجيه مخصوص، ثم لما استقرت هذه الجماعة في المدينة، تنوعت احتياجاتها، ويصف سيد قطب متطلبات هاتين المرحلتين، بقوله: (( لقد عاشت الدعوة الإسلامية ـ أولًا ـ المرحلة المكية حيث القلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت