الصفحة 14 من 44

معلوم أن المفاهيم تبنى في ذهن المتعلم بالتدريج من المفاهيم المادية إلى المفاهيم المجردة، فسهل على المتعلم مثلا أن يتعرف مفهوم الوضوء باعتباره ممارسة سلوكية مادية تتم بالماء الطاهر، أو التيمم باعتباره ممارسة سلوكية تتم بصعيد طيب، أو مفهوم الصدقة في مستواها البسيط باعتبارها ممارسة سلوكية تتم بشيء مادي هو في الغالب نقود أو طعام، كما أنها مفاهيم ليست مركبة تحتاج إلى منظومة علائقية من المفاهيم التي لا تفهم إلا باستيعابها كلها، كالحد في العقوبات أو النصاب في الزكاة أو جبر ركن من أركان الحج، أو ربا النسيئة في الأموال، أو القضاء والقدر في العقائد أو غيرها.

ومن استوعب طبيعة المفاهيم الإسلامية ورصد عن قرب القدرات المعرفية والإدراكية للمتعلمين لا يمكنه إلا أن يبدأ بالمفاهيم المادية، تلوها المفاهيم المجردة غير المركبة كالصدق والكرم والرحمة، تلوها بعد ذلك المفاهيم المجردة المركبة في مراحل متقدمة من الإدراك والتفاعل العقلي والوجداني لدى المتعلم.

لكن نظرة إلى مقررات علوم الشريعة في مناهجنا التعليمية تعكس عمق الأزمة في اختيار المفاهيم المدرسة والتي تشكل صلب عملية بناء المناهج

وهكذا تجد على سبيل المثال لدى تلاميذ التعليم الابتدائي اختيار نصوص قرآنية وحديثية متضمنة لمفاهيم عميقة في العقيدة كالكفر والإيمان والمصير، وتفاصيل إخراج الزكاة، وحد تارك الصلاة، وما ينجبر بدم وما لا ينجبر من أعمال الحج

والحالة هذه أن المتعلم في هذه المرحلة ينبغي أن يقتصر في العقيدة على تعلم قيمة حب الله الخالق المنعم الرحيم، وأن الزكاة ركن من أركان الإسلام، الحكمة منها العناية بالفقراء والمساكين، والترغيب في أداء الصلاة شكرا لله تعالى على نعمه، ثم يتطور المفهموم بعد ذلك بالتدريج إلى المراحلة الجامعية وهكذا فالمفاهيم تبنى بالتدريج الذي يحول المفهوم من مادة علمية إلى مادة تعليمية ويختار لكل مستوى من مستويات المفهوم ما يلائمه ويعززه من نصوص قرأنية وحديثية وفقهية. [1] كما أن بناء المفاهيم يقتضي على مستوى تحديد مواد المنهاج التعليمي أن تبدأ بالعلوم التطبيقية كالفقه مثلا قبل العلوم المنهجية كأصول الفقه. لأن استيعاب المنهج أقوى من استيعاب المعرفة.

إشكالات في تنظيم المعارف

(1) انظر تفصيل ذلك في كتاب: المنظور البنائي للتعلم وتطبيقاته في بناء مناهج التربية الإسلاية وطرق تدريسها للدكاتر: خالد الصمدي - محمد الراضي - السعيد الزاهري، قيد الطبع بالتعاون بين منظمة الإيسيسكو والمركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية الإسلامية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت