القراءة غير السليمة من تصحيف طال الكثير من النصوص القرآنية والحديثية والفقهية، وبذل العلماء مجهودات كبرى في تصحيحها، وخصصوا لذلك تعليقات ومباحث في مؤلفاتهم [1]
والنظريات التربوية الحديثة في طرق تدريس النصوص تتحدث عن مستويات ثلاث في قراءة النصوص، أولها القراءة التوجيهية والتي يقوم بها المدرس في البداية أو يكلف بها أمهر الطلاب، ثم القراءة التجريبية وهي التي يقوم بها فرد أو أكثر من المتعلمين يحاولون فيها ترسم خطى المدرس في القراءة التوجيهية، وهي مظنة الوقوع في الخطأ والزلل لذلك تلوها القراءة التصحيحية: الداعمة لما استقام من نطق الطلاب، وتصحيح ما قد يعتور قراءتهم من النواقص، والغرض من تطبيق هذه الطريقة في تدريس النصوص، تمرين الطلبة على مهارة قراءة النصوص الشرعية قراءة سليمة من الأخطاء، واعية بفواصل المعاني، موصلة إلى التدبر والتأمل في جزئيات النص، مساعدة على الاستذكار والاستظهار.
ويجدر بنا أن نؤكد في هذا المقام على الأهمية التي كان علماء الشريعة يولونها لتهييئ الجو العلمي للانتقال بالطلبة من الاستماع إلى الإنصات بهذا الترتيب، فالأول يكون بحاسة السمع، والثاني بكافة الجوارح، فقد قال تعالى (فإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) [2] وقد شهر عن مجالس العلم في تراثنا أن طلبتها كانوا يجلسون كأن على رؤوسهم الطير، وكان القارئ يجلس على مسطبة أو نحوها بالقرب من العالم حتى لينتبه النساخون إلى حركات شفاهه، وكانت مجالس العلم غالبا ماتعقد في المساجد حيث تسود سكينة العبادة، وكان العالم لا يشرع في مجلس العلم إلا بعد الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قبل ذلك يصلى ركعتين ويسأل الله أن يشرح صدره وييسر أمره ويحلل عقدة من لسانه يفقه المتعلمون قوله، وشهر عن الإمام مالك أنه كان يتوضأ ويغتسل ويلبس أحسن ثيابه ويخصص لرواية الحديث مكانا خاصا في البيت يعطره بالعود ونحوه تعظيما لحديث رسول الله [3] ، وكان يفرق في ذلك بين مجالس الحديث ومجالس الفتيا، وكل
(1) أورد ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه، بسنده إلى أشهب قال: سألت مالكا عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد، قال: أما ماكان من قول النبي صلى الله عليه وسلم فإني أكره ذلك، وأكره أن يزاد فيه أو ينقص، وما كان من غير قول النبي صلى الله عليه وسلم فلا أرى بذلك بأسا) ج1 - ص 98 ط1 - مؤسسة الكتب الثقافية 1995
وقد كان لاختلاف رواية ألفاظ الحديث أثر كبير في اختلاف الأئمة من الفقهاء والمحدثين، انظر صورا من ذلك في كتاب: الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي للدكتور نايف بقاعي، في مبحث رواية الحديث بالمعنى ص 537 وما بعدها، ط 1 دار البشائر 1998
(2) سورة الأعراف الآية 204
(3) القاضي عياض: ترتيب المدارك ج1 ص 124 طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب