فعلم من خلال كلام الشرطى أن مَلِكَ هذه المدينة قد ساءت صحته أكثر ومات . وكانت الجنازة الكبيرة جنازته .
فأخذ"قُصَى"يقسم أنه لا يدرى .
وأنه لم يدخل المدينة إلا في هذا اليوم ، فلم يسمع له الشرطى بل قذف به في غياهب السجن .
ثم قال الشرطى: سوف تحاكم على فعلك الشائن .. وستعلم يا صعلوك كيف تقدر الملوك .
وبعد أن دفن أهلُ هذه المدينة ملكَهم رجعوا حزينين على سيدهم ومَلِكِهم .
واجتمع الوزراء في اليوم الثانى مباشرة ليختاروا ملكًا يقودهم ، فاختلفوا بينهم اختلافًا كبيرًا لم يصلوا معه إلى شئ .
وفى اليوم الثالث اجتمعوا ليصلوا إلى اختيار جيد يقى العباد والبلاد شر الفتن الداخلية والخارجية .
فدخل عليهم الشرطى الذى قبض على"قُصَى"وقال لهم: لقد تم القبض على رجل كان يجلس وجنازة ملكنا الراحل تمر ،
فليأذن لنا السادة الوزراء بالحكم عليه .
فأخذ الوزراء يقولون لا بد أن نصنع من هذا الرجل عبرة لكل من يسئ الأدبَ مع ملك البلاد حتى لا يكون ذلك ديدنا .
وأمروا الشرطى أن يأتى بالسجين ليروا فيه رأيا . فجاء"قُصَى"من السجن مكبلا بالأغلال ..
فسأله أحدُ الجالسين: لماذا كنت جالسًا عند مرور جنازة الملك ؟!
فقال"قُصَى": لم أكن أدرى أن هذه جنازة مَلِكِ البلاد .
قالوا: أو يُعقل ألا يعلم أحدٌ بموت الملك ، وقد علم الجميع مرض الملك وموته .
أخبرهم"قُصَى"أن هذا هو اليوم الأول والوحيد الذى دخل فيه تلك البلاد.
فسألوه: من أين أتيت ؟
فحكى لهم"قُصَى"حكايته وأخبرهم أنه كان ابنًا لملك مدينة أخرى وقد مات أبوه وتركه هو وأخاه. فأراد أخوه أن يتخلص منه حتى لا ينافسه في حكم البلاد . فخرج هاربًا بنفسه من بلده التى ضاقت عليه إلى أرض الله الواسعة .
وها هو يقف ليُحاكم على جريمةٍ ، ليس له دخلٌ فيها .
تَفَرَّسَ بعض الجالسين في وجه"قُصَى"، ومدحوا أباه الملك السابق وتذكره بعض الوزراء عندما كان فتى صغيرًا ..