الصفحة 168 من 311

وكان هذا الأمر من معز الدولة في أول السنة، وفي آخرها وفي الثامن عشر من شهر ذي الحجة أمر أمرًا آخر في نفس السياق فقد ذكر ابن الأثير أنه"في ثامن عشر أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد وأشعلت النيران بمجلس الشرفية وأظهر الفرح وفتحت الأسواق بالليل كما يفعل ليالي الأعياد، فعل ذلك فرحًا بعيد الغدير يعني غدير خم وضربت الدبادب والبوقات وكان يومًا مشهودًا" [1] ... . وذكر ابن كثير هذه الرواية ووصفها بأنها"بدعة شنيعة ظاهرة منكرة"وزاد صاحب التكملة زيادة ذات معنى فقال عند الحديث عن غدير خم"وبكر المتشيعون إلى مقابر قريش و صلوا هناك" [2] .

قلت وظاهرة النياحة [3] ... التي تقام في العاشر من محرم حزنًا على الحسين رضي الله عنه لم أجد التونسوي وهو يعدد عقائد الشيعة من كتبهم عزاها لأحد كتبهم المتقدمة بل نقل من كتبهم كمنتهى الآمال ومن لا يحضره الفقيه وتفسير الصافي وفروع الكافي ما يقتضي منعها وأنها تخالف المأمور به حتى عند الشيعة

(1) المرجع السابق ج 8 ص550

(2) الهمذاني"التكملة"ص400

(3) * ويذكر التونسوي صفة هذه النياحة الموسمية في زمنه ننقلها مختصرة قال ورد في العشر الأول من محرم كل عام معتقدين أنها من أجل القربات فيضربون خدودهم بأيديهم وصدورهم وظهورهم ويشقون الجيوب يبكون ويصيحون بهتافات يا حسين .. يا حسين، وخاصة في اليوم العاشر من كل محرم فإن ضجيجهم المليء بالويلات يبلغ أوج الكمال ويخرجون في ذلك اليوم مترابطين متصافين يحملون قبة الحسين (التابوت) المصنوعة من الخشب ونحوه ويقودون خيلًا مزينًا بسائر الزينة يمثلون به حالة الحسين في كربلاء بفرسه وجماعته ويستأجرون عمالًا بأجور ضخمة ليشتركوا معهم في هذا الضجيج والفوضى ويسبون أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ويتبرءون منهم"ص 101."

قلت وهذا الوصف لها في زمنه.

وقد وصفها الباحث اللبناني رالف رزق الله في كتابه المثير عن هذا المأتم الموسمي والذي سماه (يوم الدم) وقد وصف هذه الشعيرة الشيعية بما شملته في الأيام العشر السابقة لعاشوراء والتي تتكون من مجالس التعزية وطواف اللطّامين الذي يبلغ دورته في يومه الأخير يقول"تزداد ضراوة الضربات التي يسددها الضريبة وتتضرج الوجوه والأيدي بالدماء"112

قلت وهذا كله تطور عن الشكل الأول الذي اخترعه معز الدولة في بغداد، إذا لم يرد أن الاحتفال يستمر أياما إنما يقع في اليوم العاشر من محرم، غير أنه وللطبيعة المفتوحة للمذهب الشيعي فإن الزيادة في الأعمال والاعتقاد مستمرة دون ضابط من أصل أو عقل، كما أن طبيعة المأتم في بغداد تختلف عنه في نسخته المطورة في العصور المتأخرة، ففي بغداد كان هذا الموكب المأتمي يقتصر على البكاء والنواح ثم زيارة المشاهد ويتخلل ذلك التعبير عن عقيدة السب والشتم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما اللطم والضرب وخلافه فالراجح أنه لم يفعل.

ولا شك أن طبيعة المذهب الشيعي البكائية والتي تشبه فكرة الخطيئة عند النصارى دور في نشوء هذا الطقس كما يقول رالف رزق الله ناقلًا أقوال عدد من الباحثين الغربيين قال:"لقد لاحظ كالمار ـ باحث غربي ـ بحق أن التشيع مطبوع في أعماقه بالتشاؤم، واستشهد بكوربان الذي يقارن بين الحزن الخفي الهائل في هذا المذهب وبين اليأس المطبق الخاص بالمذهب اللوثري، ويذهب إلياس كانيتي إلى حد وصف التشيع بأنه مذهب مأتمي فيقول"ما من دين شدد بهذه القوة على الألم، وهذا الألم هو المأثرة العظمى التي تفوق كثيرًا كل عمل حسن آخر، الأمر الذي يجيز لنا الكلام عن مذهب مأتمي جنائزى"74."

قلت ولا علاقة لهذه الروح البتة بالإسلام بتعاليمه السمحة فإنه مما تقرر عند أهل الديانة والأمانة من المسلمين أن الخطيئة لا تنتقل عبر الأجيال، والحسين رضي الله عنه والذي قتل مظلومًا لم يلحق المسلمين من دمه شيء قال جل وعلا"ولا تزر وازرة وزر أخرى"وقال تعالى"كل نفس بما كسبت رهينة"

أما ورد عند أهل السُنة وعليه العمل أن الميت يعذب ببكاء أهله فمعناه أنه إن حسّن لهم الفعل قبل موته ولم ينههم ولم يعلّمهم الصبر في المصائب فإنه يأثم بذلك.

ولا شك أن هذه الطقوس لابد أن تصطدم بالعقلاء من بعض أتباع هذا المذهب، كما ذكر عن محسن الأمين وهو من علمائهم في كتابه المجالس السنية والذي نقله عنه رزق الله قوله أن"اللطم من عمل الشيطان"

كما أورد رزق الله كذلك محاولة عدد من شباب الرافضة لوقف هذه الطقوس أو إعادة النظر فيها ويسميها المحاولة الإصلاحية والتي جرت سنة 1970

أما ما يقوله الدكتور خليل محمد خليل الأستاذ في الجامعة اللبنانية ومترجم كتاب (يوم الدم) من أن استذكار الحسين في يوم دمه هو ترميز لإمكان التغيير بالقوة بالدم إذا لزم الأمر"ص 13 فإنه محاولة للخروج من المأزق العقلي الذي يحيط بهذه الممارسة، علما أنها نشأت في ظل سلطة شيعية مطلقة ولم يكن من داع لترميز إمكانية التغيير بالقوة، بل إنها في ظل السلطات السنية الأولى لم تكن موجودة مع الحاجة إلى ترميز التغيير بالقوة على زعمه. وكل ما في الأمر أنها محاولة لتحسين وجه هذا المذهب أمام التيارات اليسارية التي ينتمي لها المؤلف والمترجم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت