الصفحة 172 من 311

المبادرة الشيعية المسكوت عنها وهجًا لدى بعض الجهال لما يراه من موقف الجانب الآخر فيميل لمذهب الرافضة ويعتنقه فيكثر أتباعه، أما مع المخاصمة فإن شعورًا بالحاجة إلى الالتفاف يحفظ المذهب من الذوبان. وقد ألمح شيخ الإسلام إلى هذا عند حديثه عن أهل الأهواء وأثر ظهورهم وما أعجب إيراده - رحمه الله - للمعاني العجيبة قال:"ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة حتى يصير بكثرة كلامهم مكافئا عند الجهال لكلام أهل العلم والسُنة حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها حتى تكون العقوبة بعد الحجة" [1] .

ومن الإنصاف عدم تحميل أهل السُنة وزر هذه الفتن فإن فعلهم ما كان غير ردة فعل لم يكن من الممكن تجنبها وأما الوزر فعلى من اعتدى والله لا يحب المعتدين.

وقد ظلت الأمور على ما هي عليه طوال الفترة الممتدة بين 352 إلى 354هـ، ولم يكن في أخبار المؤرخين ما يلفت النظر غير ما أورده ابن كثير من عمل الشيعة لمأتمهم سنة 354 هـ قال:"ثم تسلطت أهل السُنة فكبسوا مسجدهم مسجد براثًا الذي هو عش الرافضة وقتلوا من كان فيه من القومة" [2] ... ،

وقد ذكر ابن الجوزي الخبر منفصلًا وأنه حدث في ربيع الآخر وعبارة ابن كثير قد توحي بأنه رحمه لله عدَّ كبس مسجد برائًا مؤشرًا لتغير موازين القوى بين السُنة والشيعة، والأمر عندي خلاف ذلك إذا الأمر لم يتعدى عملية

(1) ابن تيمية"مجموع الفتاوى ج3 ص240"

(2) المرجع السابق ... ج 11 ص254

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت