الصفحة 79 من 311

قلت والحاجة إلى ذلك السياق التاريخي الذي يجب أن توضع فيه الرواية لمَّا صعب التعرف على مصدرها، والسياق التاريخي يقوي رد قصد الوثوب عند أحمد بن نصر ومعه أهل الحديث- خصوصا في بغداد- والذين كان قولهم في مسألة الخروج على السلطان واضح [1] ، فلا يمكن لأحمد بن نصر وهو ينتسب لهذه الفرقة أن يضمر هدفا كهذا مع ما يجلبه ذلك من محاذير شرعية ومعارضة من علماء المذهب كأحمد بن حنبل.

فإن قيل لعل أحمد بن نصر انحرف عن منهج أهل الحديث قلنا أن ذلك لو حدث لما أثنى عليه جمهور أهل الحديث بدءا بأحمد بن حنبل والخطيب وابن كثير والذهبي ونعتوه بالشهيد ولما يحضر معركة سوى وقوفه على الحق أمام السلطان الجائر.

ثم تولى الخلافة المتوكل الذي أوقف المحنة ونصر السُنة وقمع المعتزلة جسديا بعد قمعهم فكريا على يد علماء المسلمين، كما أنه قام بإجراءات ملموسة لكبح جماح الرافضة وإذلال اليهود والنصارى، وكان تصرف المتوكل مُنتظرا بالنظر إلى المأزق الذي وقعت فيه خلافة بني العباس التي كانت ناصرة للسنة واعتبرت نفسها حامية للإسلام.

وكان من أولى إجراءات المتوكل إنزال جثة أحمد بن نصر ودفنه قال ابن كثير ففرح الناس بذلك فرحا كثيرا واجتمع في جنازته خلق كثير جدا قال وزاد

(1) ذكر بعض علماء أهل السنة وجود خلاف بين تيارين متعارضين أحدهما يرى جواز الخروج والآخر يرى منعه، لكن الراجح أن الخلاف حسم مبكرا، ومنذ فشل محاولة عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث للثورة ضد الحجاج بن يوسف والتي اشترك فيها عدد من كبار علماء الحديث أبرزهم سعيد بن جبير الذي ذهب ضحية فشل هذه المحاولة، ولعل النتائج التي آلت إليها هذه التجربة كانت عاملا من عوامل حسم مادة النزاع واستقرار الأمر على منع الخروج على السلطان الجائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت