الصفحة 3 من 24

وإن من أقذر هذه الشبهات التي تُبَثُّ في طريق الجهاد تصويرَ المجاهد الطالب للشهادة في صورة اليائس من الحياة الهارب من الفقر والفشل الاجتماعي، وما هذا التصوير إلا طاعةً عمياء لأوامر أهل الصليب الذين يريدون تشويه صورة المجاهد لأنه وحده الواقف بفضل الله أمام مشروع تعبيد الإنسان للإنسان، وهو وحده على قلة السالكين معه الذي ينغِّصُ على المُترَعة كؤوسهم من دماء المسلمين شربَتهم، وهو وحده الذي يقضُّ لمنتهكي أعراض المسلمين مضجعَهم، وهو وحده الذي يُجري اللهُ تعالى على يديه حرب استنزافٍ عنيدةٍ وقودُها الإيمان المطلق بنصر الله، وعنوانها: (إن الذين كفروا يُنفقون أموالهم لِيَصُدُّوا عن سبيل الله فسيُنفقونها ثم تكون عليهم حسرةً ثم يُغلَبون والذين كفروا إلى جهنم يُحشَرون) [1] ، وهو وحده الذي يقف أمام جحافل الكفر البئيسة بمنهج قائد المجاهدين وإمام الغُرِّ المحَجَّلين صلوات ربي وسلامه عليه حيث قال في أهل الكفر الأصليين:"فوالذي نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولَيُنفذنَّ الله أمره" [2] ، وبمنهج أبي بكر الصِدِّيق رضي الله عنه مِن بعده حيث قال في أهل الردة:"والله لو لم يتبعني أحد لجاهدتهم بنفسي حتى يُعز الله دينه، أو تنفرد سالفتي" [3] .

ووالله لو لم يكن في الجهاد والاستشهاد إلا ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"للشهيد عند الله ستُّ خصال: يُغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه" [4] ، لكان مقتضى العقل الانغماس في ساح الوغى حتى يتقطع الجسد في سبيل الله أشلاءً، فكيف إذا كان من وراء الشهادة في سبيل الله تعالى"أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه"!

ولما كان تحاكُمُنا إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يلزمنا في زمن الغربة هذا أن نعود إلى نصوص الوحيين قرآنًا وسنةً لنتخذ منها معالم الهدى في مسيرة الجهاد، والسعي نحو تحقيق درجة الشهود التي اختص الله تعالى بها أُمَّةَ رسوله صلى الله عليه وسلم: (ليكون الرسولُ شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس) [5] ، فاقتفيت آثار مَن سلف مِن علماء هذه الأمة الأبرار في جمع أحاديث أربعين من مشكاة النبوة في موضوع الجهاد والاستشهاد، وقد انتقيتها مما جاء في أصح كتابين بعد كتاب الله عز وجل ألا وهما: صحيحا البخاري ومسلم تغمدهما الله برحمته الواسعة وقدَّس الله روحهما، وترجمتُ لها بما ناسبها من آيات الكتاب العزيز لتكون أصولًا محكمةً يطمئن إليها المجاهد فتكون عمدةً له في مسيرة الجهاد، ولتكون معالم هدى يتدرج بها في الطريق إلى الشهادة في سبيل الله، وسميته لذلك"عمدة المجاهدين ومدارج الاستشهاديين"باعتبار الطريق أو"الأربعين الاستشهادية"باعتبار الغاية والمقصد، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الجهاد والاستشهاد. ولقد عقبت كل باب ببعض الفوائد المستخلصة مما يشكل إذا انضم لغيره نسيجًا متكاملًا لمنظومة الجهاد والاستشهاد، وحرصت على ذكر الخاص المستثنى من مبادئ الجهاد العامة، حتى لا يصير المسلم أضحوكةً لِعدوّه حين

(1) سورة الأنفال - آية 36

(2) صحيح البخاري - حديث 2731

(3) شرح صحيح البخاري - ابن بطال - 3/ 393

(4) سنن الترمذي - حديث 1663، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب

(5) سورة الحج - آية 78

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت