بفلم: خالد بن صالح الغيص
لقد حذر الله تعالى عباده من الافتتان بالحياة الدنيا فقال جل وعلا: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت/64) وقال أيضا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} ... (لقمان/33) ، وبين أن ضلال كثير من الناس كان بسبب إيثارهم للحياة الدنيا على الآخرة فقال تعالى: {اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} (3) سورة ابراهيم، بل وما كفر من كفر ولا ارتد من ارتد إلا وكانت الدنيا أعظم الأسباب التي حملته على ذلك قال تعالى مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) سورة النحل.
ولذلك جاء التحذير الشديد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الافتتان بالدنيا فقال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الدنيا، و أتقو النساء) رواه مسلم، وحتى يكون الأمر جليًا لكل ذي بصيرة، هذه مقارنة بين عمل أهل الدنيا وعمل أهل الآخرة، حتى تُعلم حقيقةُ الأمر فيتدارك من فُتن بهذه الدنيا نفسه ويزداد الذين آمنوا إيمانًا، ولا يتقاعس أهل الآخرة عن طلب الآخرة أو يغرنهم تقلب الذين كفروا في البلاد كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَد (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) آل عمران، وقبل الشروع في المقارنة لنعلم أن الدنيا هي ليست كائنًا مشاهدًا وانما هي عبارة عن ماديات أو معنويات أو شهوات وملذات ذُكر أعظمها وغيرها تبع لها في قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) سورة آل عمران.
المقارنة الأولى:
عمل أهل الدنيا غير مضمون النتائج، وعمل أهل الآخرة مضمون النتائج: فعمل أهل الدنيا غير مضمون النتائج فليس بالضرورة كل من عمل لطلب شئ من حطام الدنيا يناله، فكم من إنسان سعى لكسب مال فما ازداد إلا فقرًا، أو سعى لكسب ود امرأة فما ازاد منها إلا بعدًا، وذلك لان الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب كما قال تعالى {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا} (الإسراء/20) وأمر الأرزاق والآجال مما اختص الله بقسمته بين الناس لتستقيم حياة الناس ومعاشهم قال تعالى {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم َعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (الزخرف/32) فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر بمقتضى حكمته وعلمه بما يصلح حال الناس. قال تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الزمر/52) وكما قيل في