الصفحة 3 من 6

:16 - 19) هذا القرآن بسببه عودي النبي عليه الصلاة والسلام، بسببه قام عليه الكفار، بسببه سبوه، شنئوه، أبعدوه، بسببه حاربوه وخنقوه، ضربوه، شتموه، عابوه، قذفوه، قالوا عنه: مجنون وساحر وكذاب، وبه جِنَّة، فهل هذا القرآن هو سبب شقاء لنبينا؟ قال الله: {طه} (طه: 1) ، (طاء، هاء) من الأحرف المقطعة، {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} (طه:2) ، أنزلناه عليك لتسعد، أنزلناه عليك لتستنير، أنزلناه عليك ليكون أَمامَك وإِمامَك، أنزلناه عليك لينير لك الطريق، أنزلناه عليك لنثبتك به، أنزلناه عليك ليكون لك سلوانًا وفرجًا وتسلية وتسرية عمَّا في نفسك، وعما صار بك من الأذى من جراء هؤلاء الأشقياء، أما أنت فلست بشقي، ويقولون عنك: مجنون، {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ*مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} (القلم: 1 - 2) ، ويعده ويثبته، {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} (القلم:3) ، غير مقطوع، متوالي، ويشهد له بالفضل بين جميع الناس، وإلى قيام الساعة، جنًا وإنسًا، {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4) ، النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصًا على دعوة قومه، يشق عليه جدًا أن يُعرضوا، ويحاول فيهم مرارًا وتكرارًا وفي منتدياتهم وبيوتهم، ويدعوهم إلى بيته، وفي الطريق، ويأتيهم في الحج والمواسم، وعندما لا يجد فائدة في مكة يخرج إلى الطائف ويحاول هناك، ويردوه ويؤذوه، صارت الدعوة دعوة ثقيلة، وهو حزين عليهم ومن أجلهم، فكان يحتاج إلى أن يقال له: {لَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} (فاطر: 8) ، {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} (الغاشية:22) ، {عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (الرعد:40) ، كانت القضية واضحة، هناك بعض الأشياء التي يقرؤها عليهم فيها عيب لآلهتهم، فيها في الحقيقة توبيخ لهم على عبادة أصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، وربما وجد في نفسه شيئًا من الثقل وهو يدعوهم بهذه الآيات التي فيها توبيخ لهم، وهم جاءوا يشكون إلى عمه، سبَّ آلهتنا وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} (هود:12) ، هل ستتركه؟ لا يمكن، لا يُخفِي منه شيئًا، {بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة:67) ، هددوك شتموك أخرجوك، يريدون قتلك، {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، بلغ، لابد أن تبلغ، وبالبيان وبالتوضيح، وكما أنزلناه عليك، ولو وجد في نفسه شيئًا من الحرج في حكم معين مثلًا، كان عندهم في الجاهلية من أكبر العيب أن يتزوج الواحد مطلقة ابنه بالتبني، يعني نزلوا الأب بالتبني زورًا منزلة الأب بالنسب؛ لأن التبني حرام، إذ لا يجوز أن تنسب لك ولدًا ليس من نسبك، وجعلوا الذي يتزوج زوجة ابنه بالتبني إذا طلقها الابن من أكبر الحرام، فكيف كان إبطال هذا الحكم الجاهلي، {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} (الأحزاب:37) ، زيد كان ابنه بالتبني، وزينب كانت زوجة زيد، فارق زيد زينب، زوج الله نبيه صلى الله عليه وسلم من زينب من فوق سبع سنوات، والعقد تم في السماء، وهو مجرد خبر وحي، انتهى لا ولي ولا شهود، عَقْدٌ في السماء، خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم، {لكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} ، ولما صار في نفسه شيءٌ قال له بالكلام الصريح {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (الأحزاب: 37) ، ولمَّا يحصل من النبي عليه الصلاة والسلام اجتهاد مخالف للأولى، ما يكون فيه مجاملات، لأن الحق حق، ولا بد أن يُبَيَّن حتى لنبيه، ويقول له بصراحه: {عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى* وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى* أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى* فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى* وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى* وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى* وَهُوَ يَخْشَى* فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى* كَلاَّ} (عبس: ا-10) ، مجاملة لزوجاته، منع نفسه آلى وحرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت