قال أحمدُ بن داودَ الواسطيُّ: دخلتُ على أحمدَ الحبسَ قبلَ الضربِ ، فقلتُ له في بعض كلامي: يا أبا عبدِ الله ؛ عليكَ عِيالٌ ، ولك صبيانٌ ، وأنت معذورٌ ـ كأني أسهل عليه الإجابة ـ فقال لي: إن كان هذا عقلُكَ يا أبا سعيدٍ فقد استرحتَ . (1)
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤاديَ حرًّا وحيدًا غريبًا
فإني أَعْظَمُكُم دولةً وإن خلتموني طريدًا سليبًا
قال إبراهيمُ الحربي عن أحمد بن حنبل: لقد صحبتُه عشرين سنة ، صيفًا وشتاء ، حرًّا وبردًا ، ليلًا ونهارًا ، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس . (2)
قال أنسُ بن عياض: رأيت صفوان بن سُلَيْم ، ولو قيل له: غدًا القيامة . ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة . (3)
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا . ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا . (4)
وقال بكير بن عامر: كان لو قيل لعبد الرحمن بن أبي نعم قد توجه إليك ملك الموت ما كان عنده زيادة عمل . (5)
وقال سفيان الثوري: لو رأيت منصور بن المعتمر ، لقلت: يموت الساعة . (6)
حِملٌ ثقيل !
عندما ينتحر الحماس ؛ لا يذوقُ طعمَ الطاعةِ ، ولا حلاوةَ العبادةِ ، فهو يشعرُ بِثقَلِها عليه ، فيؤديها ولم يذقْ أجملَ ما فيها ، لِيُسْقِطَ عنه تبعاتها ، وكأنما هي حِمْلٌ ثقيلٌ أُزيح عن كاهله ..
فلا يزال يتأخر ، ويتقهقر ، حتى يُكبّ على وجهه في النار ، كالشجرة الوارفة الظلال ، تُسقط أوراقها يومًا بعد يوم ، حتى تيبس وتصير عودًا يابسًا لا ماء فيه ولا رواء لا يصلُح إلاَّ لشيء واحد .. أن يصبح وقودًا للنار !
(1) طبقات الحنابلة ـ ابن أبي يعلى (1/43 ) .
(2) مناقب أحمد ـ ابن الجوزي ـ ص 140
(3) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي (5/366) .
(4) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي (7/447) .
(5) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي (5/62) .
(6) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي (5/ 406) .