الصفحة 28 من 142

ص -16- مما نفيت عنه الوجود والعدم، وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول فذاك أعظم امتناعا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم، هو أعظم الممتنعات، وهذا غاية التناقض والفساد، وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم، ورفعهما كجمعهما .

ومن يقول لا أثبت واحدًا منهما، فامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر؛ لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت، الذي لا يعبر عن الحقائق، وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم، أعظم امتناعًا مما يقدر قبوله لهما، مع نفيهما عنه فما يقدر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم، أقرب إلى المعدوم الممتنع، مما يقدر قابلًا لهما، مع نفيهما عنه، وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلًا لهما أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود، قابلًا وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود القبول وجب وقد بسط هذا في موضع آخر، وبين وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه .

وقيل له أيضًا: اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات؛ وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه، سبحانه وتعالى .

وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا، تمويه على الجهال الذين يظنون أن كل معنى سماه مسم بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل، وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس عقلهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت