فهرس الكتاب
ص -26- القاعدة الثالثة:
إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد، فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر، أو ضلال، والذين يجعلون ظاهرها ذلك، يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك، وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل فالأول كما قالوا في قوله:"عبدي جعت فلم تطعمني"الحديث وفي الأثر الآخر:"الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه"وقوله:"قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق .
فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق أما الواحد فقوله:"الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه"صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال:"يمين الله في الأرض"وقال:"فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه"ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به، ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه فكيف يجعل ظاهره كفرًا لأنه محتاج إلى التأويل . مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس ؟ وأما الحديث الآخر: فهو في الصحيح مفسرًا:"يقول الله عبدي جعت فلم تطعمنى فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو"