فهرس الكتاب
ص -126- فقوله: إن الحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه قضية عامة ضرب بها مثلا في قياس شمولي ليس معه فيه إلا مجرد تمثيل الخالق بالمخلوق الضعيف الفقير وأن كان من الجنس الحقير وهؤلاء الجهمية دائما يشركون بالله ويعدلون به ويضربون له الأمثال بأحقر المخلوقات بل بالمعدومات كما قدمنا التنبيه عليه غير مرة فلمارأوا أن المستوى على الفلك أو الدابة أو السرير يتغنى عنه مكانه قالوا يجب أن يكون الله أيضا يستغنى عنه مكانه تشبيها له بهذا المخلوق العاجز الضعيف ولما رأوا أن الحجر والمدر والشجر والانثى والذكر يستغنى عن حيزه ومكانه قالوا فرب الكائنات مشبه بهذه المتحيزات في افتقاره إلى ما هو مستغن عنه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم يقال له في الوجه الثاني عشر: أن كثيرا مما سمي مكانا وحيزا وجهة للإنسان يكون مفتقرا إليه بل لغير الإنسان أيضا فمن قال أن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي كبطانة قميص اللابس كان كثير من الأمكنة محتاجا إلى الممكن كاحتياج القميص إلى لابسه واستغناء صاحبه عنه.
وكذلك الحيز قد ذكرنا أنه يراد به حدود الشيء المتصلة به التي تحوزه وهو جوانبه وتلك تكون داخلة فيه فلا تكون مستغنية عنه مع حاجته إليها وقد يراد به الشيء المنفصل عنه الذي يحيط به كالقميص المخيط وهذا قد يكون مفتقرا إلى الإنسان كقميصه وقد يكون مستغنيا عنه وأن كان مستغنيا عن الإنسان لكن الإنسان لا يحتاج إلى حيز بعينه فليس الإنسان مفتقرا إلى حيز معين خارج غير ذاته بحال بل وكذلك جيمع الموجودات حيزها أما حدودها المحيطة بها