فهرس الكتاب
ص -27- أما المنازعون فهم يسلمون أن الوجوب كله لا يثبت إلا بالشرع وأن العقل لا يوجب شيئا وإن عرفه
وأما من يقول إن الوجوب قد يعلم بالعقل فهو يقول ذلك فيما يعلم وجوبه بضرورة العقل أو نظره واعتقاد كلام معين من تفاصيل مسائل الصفات لا يعلم وجوبه بضرورة العقل ولا بنظره ولهذا اتفق عامة أئمة الإسلام على أن من مات مؤمنا بما جاء به الرسول لم يخطر بقلبه هذا النفي المعين لم يكن مستحقا للعذاب ولوكان واجبا لكان تركه سببا لاستحقاق العذاب
وإن فرض أن بعض غالية الجهمية من المعتزلة ونحوهم يزعم أن معرفة هذا النفي من الواجبات أو من أجلها وأن من لم يعتقده من الخاصة والعامة كان مستحقا للعذاب أو فرض أن بعض الناس يقول أن هذا الاعتقاد يجب على الخاصة دون العامة
فنحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساد القول بإيجاب هذا لأنا نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين لم يوجبوا اعتقاد هذا النفي لا على الخاصة ولا على العامة وليس وجوب هذا من الحوادث التي تجددت فإن وجوب هذا الاعتقاد على الأولين والآخرين سواء لوجوب اعتقاد أنه لاإله إلا الله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور
وإذا كان معلوما بالاضطرار عدم إيجاب الشارع لهذا الاعتقاد كان دعوى وجوبه بالعقل مردودا فإن الشارع أقر الواجبات العقلية وأوجبها كما أوجب الصدق والعدل وحرم الكذب والظلم وإذا كان وجوب هذا القول منتفيا لم يكن لأحد أن يوجبه على الناس فضلا عن أن يعاقب تاركه ويجعله مِحْنَة من وافقه عليه والاه ومن خالفه فيه عاداه
وهذا المسلك هو أحد ما سلكه العلماء في الرد على الجهمية الممتحنين للناس