فهرس الكتاب
ص -31- وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث كما أن الأولى تتناول الطاعات حدثت أو لم تحدث والسعيد من أراد منه تشريعًا ما أراد به تقديرًا والعبد الشقي من أراد به تقديرًا ما أراد به تشريعًا والحكم يجري على وفق هاتينْ الإرادتينْ.
فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيرًا ومن نظر إلى القدر دون الشرع أو الشرع دون القدر كان أعور مثل قريش الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} الأنعام: 142 قال الله تعالى: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} الأنعام: 148
فإن هؤلاء اعتقدوا أن كل ما شاء الله وجوده وكونه وهي الإرادة القدرية فقد أمر به ورضيه دون الإرادة الشرعية ثم رأوا أن شركهم بغير شرع مما قد شاء الله وجوده قالوا: فيكون قد رضيه وأمر به قال الله: هكذا كذب الذين من قبلهم بالشرائع من الأمر والنهي حتى ذاقوا بأسنا قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرمتوه إن تتبعون في هذا إلا الظن وهو توهمكم أن كل ما قَدَّره فقد شرعه وإن أنتم إلا تخرصون أي: تكذبون وتفرون بإبطال شريعته.
{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} الأنعام: 149 على خلقه حين أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته ومع هذا فلو شاء هدى الخلق أجمعين إلى متابعة شريعته لكنه يمُّن عَلَى من يشاء فيهديَه فضلًا منه وإحسانًا ويحرم من يشاء لأن المتفضل له أن يتفضل وله أن لا يتفضل فترك تفضله على من حرمه عدل منه وقسط وله في ذلك حكمة بالغة وهو يعاقب الخلق على مخالفة أمره وإرادته الشرعية وإن كان ذلك بإرادته القدرية فإن القدر كما جرى بالمعصية جرى أيضًا بعقابها