فهرس الكتاب
ص -45- لمسجد أو رأى عليه شيئًا من ذرق الحمام أو غيره فيصير ذلك حجة في الوسواس.
وقد علم بالتواتر أن المسجد الحرام ما زال يطأ عليه المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه وهناك من الحمام ما ليس بغيره ويمر بالمطاف من الخلق ما لا يمر بمسجد من المساجد فتكون هذه الشبهة التي ذكرتموها أقوى. ثم إنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه يصلي هناك على حائل ولا يستحب ذلك فلو كان هذا مستحبًا كما زعمه هؤلاء لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه متفقين على ترك المستحب الأفضل ويكون هؤلاء أطوع لله وأحسن عملًا من النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه فإن هذا خلاف ما ثبت في الكتاب والسنة والإجماع.
وأيضًا فقد كانوا يطأون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعالهم وخفافهم ويصلون فيه مع قيام هذا الاحتمال ولم يستحب لهم هذا الاحتراز الذي ابتدعه هؤلاء فعلم خطؤهم في ذلك.
وقد يُفَرقون بينهما بأن يقولوا: الأرض تطهر بالشمس والريح والاستحالة. دون الحصير فيقال: هذا إذا كان حقًا فإنّما هو من النجاسة المخففة.
وذلك يظهر بالوجه الثالث وهو: أن النجاسة لا يستحب البحث عما لم يظهر منها ولا الاحتراز عما ليس عليه دليل ظاهر لاحتمال وجوده فإن كان قد قال طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم إنه يستحب الاحتراز عن الشكوك فيه مطلقًا فهو قول ضعيف وقد ثبت عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه مَرّ هو وصاحب له بمكان فسقط على صاحبه ماء من ميزاب فنادى صاحبه: يا صاحب الميزاب أماؤك طاهر أم نجس؟ فقال له عمر:"يا صاحب الميزاب لا تخبره فإن هذا ليس عليه"فنهى عمر عن إخباره لأنه تكلف من السؤال ما لم يؤمر به.
وهذا قد ينبني على أصل وهو: أن النجاسة إنّما يثبت حكمها مع العلم فلو صلى وببدنه أو ثيابه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم تجب عليه