الصفحة 60 من 109

-أدلة القائلين بوجوب قبول خبر الآحاد في الأحكام والعقائد:

استدلوا بأدلة كثيرة من: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، والعقل. وفيما يلي تفصيل ذلك وبالله التوفيق.

الدليل الأول: القرآن:

فالآيات القرآنية تدل صراحة أو ضمنيًا على أخذ ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان ذلك عن طريق التواتر أو عن طريق الآحاد، وتقدم معنا أن السلف - من الصحابة والتابعين - لم يكونوا يفرقون بين الأحاديث - آحاد ومتواتر - وإنما كانوا يقبلون ما بلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما الصحابة، أما التابعون فمن بعدهم فقد كانوا يفتشون عن الإسناد فلا يقبلون إلاَّ ما رواه العدل الضابط واشتهر عنهم:"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (1) .

وكان سلف الأمة والتابعون لهم بإحسان يتلقون ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تفريق كذلك، عملًا بقول الله تعالى:

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .

لكن لما نبتت فرق الفتنة واتخذت كل طائفة لها أصولًا تبني عليها ما تراه عقولها اضطروا إلى معارضة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلمبتلك النتائج، فأخذوا يبحثون عن مخرج، فما كان منهم إلا أن لجؤوا إلى علم الفلسفة والكلام وأخذوا يقسمون الأخبار إلى قطعي الثبوت وظني الثبوت، ومن ثمَّ إلى قطعي الدلالة وظني الدلالة، ومنها إلى متواتر وآحاد. ولما كان أغلب السنة آحادًا ركزوا جهودهم عليها، وقالوا إنها ظنية الثبوت فهي ظنية الدلالة، وفرقوا بين الأمور الاعتقادية والأمور العملية، فأجازوا الاستدلال بالأحاديث الآحاد في الأحكام ورفضوا الاستدلال بها في العقائد، بل تمادوا في غيهم فكان منهم من أنكر حتى المتواتر - كما سيأتي - وسار على طريقهم آخرون فأنكروا السنة مطلقًا، وهم الذين عرفوا في هذه الأزمنة المتأخرة بالقرآنيين - كما زعموا- فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه1/ 84،مع شرح النووي عن الإمام محمد بن سيرين (ت110?) رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت