القرآن على الصفات، قالوا: والآحاد لا تفيد العلم ولا يحتج بها من جهة طريقها ولا من جهة متنها، فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية وبراهين يقينية، وهي في الحقيقة {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39] .
وبالجملة فقد ذكر ابن القيم"ت751هـ"واحدًا وعشرين دليلًا على أن خبر الآحاد يفيد العلم والعمل معًا في الأحكام والعقائد، ثم قال:
"إن صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه الثقات والأئمة، وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم، فيما سبيله العلم هذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، أما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال فلابدّ من نقله عن طريق التواتر لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم من ذلك رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول" (1) .
الدليل الثالث: الإجماع:
أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يومنا هذا على حجية خبر الآحاد الصحيح - في الأحكام والعقائد - ولم يرد في القرآن ولا في السنة ولا في عمل أحد من الصحابة وقوله تخصيص أدلة لا يعمل بها إلا في الأحكام وأدلة لا يعمل بها إلا في العقائد، وأنهم قالوا: لا يحتج في العقائد إلا بالأحاديث المتواترة، ولم يرد عنهم -كما تقدم - تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، فضلًا عن أن يشترطوا شيئًا في المقبول من السنة، وإنما احتيج لتلك الشروط بعد ظهور الفتنة وركوب الناس الصعب والذلول، وأصبح من شاء يقول ما شاء.
وفيما يلي نذكر بعض الوقائع من الصحابة والتابعين الدالة على ذلك ومنها:
1 -عمل أبي بكر في توريث الجدة، وقد أخذ بخبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، وتقدم.
2 -قبول عمر بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر (2) ، وقال صلى الله عليه وسلم في ذلك:"سنوا بهم سنة أهل الكتاب". وكان عمر يقول: ما أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر الصواعق المرسلة 2/ 394، وانظر مبحث: ما يفيده خبر الآحاد من العلم من هذا البحث.
(2) أخرجه البخاري ـ الفتح 6/ 357 ـ كتاب الجزية، ومالك في الموطأ 1/ 207 والشافعي في الرسالة ص 186، والدارقطني في السنن 2/ 154، وهو صحيح، (انظر: إرواء الغليل رقم 1249) .
عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت - وعمل بخبر حَمْل بن مالك في دية الجنين أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد (1) أو وليدة (2) .
وورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، بعد أن أخبره
الضحاك بن سفيان (3) أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه بذلك (4) .