الثالث: أن يخبر الواحد ويدعي أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ننكره، ويدل على أنه حق أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الكذب.
الرابع: أن يخبر الواحد ويدعي عدد كثير أنهم سمعوه منه فلا ينكره منهم أحد فيدل على أنه صدق؛ لأنه لو كان كذبًا لم تتفق دواعيهم على السكوت عن تكذيبه، والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب لأنه واقع عن نظر واستدلال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري 8/ 423 كتاب التفسير باب قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}
(2) أخرجه مسلم وأبو داود.
وقد اتخذ منكرو السنة ـ قديمًا وحديثًا ـ مثل هذا المنطق سلّمًا للطعن في السنة ونقلتها وبنوا عليه شبهاتهم ـ كما تقدمت الإشارة إليه" (1) ."
وبعد، فلا يهولنك تتابع كثير من الأصوليين ومتأخري أهل الحديث على هذا القول - كما فعل الإمام النووي في تقريبه، وكلامه على مقدمة صحيح مسلم ـ فإن السبب في ذلك تأثرهم بمن تقدمهم من أهل الكلام، وليس لهم دليل صحيح على ما ذهبوا إليه لا نقليًا ولا عقليًا وإنما اعتمدوا خيالات وشبهات جعلوها أدلة لما ذهبوا إليه، ومن ذلك:
1 -قولهم: إن صفة كل مخبر وطبيعته توجب أن يكون خبره صدقًا أو كذبًا، وقبول خبر من كانت هذه صفاته في التشريع والعقيدة يعني التعبد بما ليس هو ثابت.
ويرد عليهم: بأن هذا مسلَّم، لكن ليس ببعيد أن يهيئ الله من الأمة من يعصمه من الكذب تحقيقًا لوعده تعالى بحفظ هذا الدين، والواقع العملي من حال الرواة وعلماء الحديث يصدق ذلك.