ص -8- ومرسله عما قال فيه المثلثة عباد الصليب، ونسبوه إليه من النقص والعيب والذم.
أما بعد:
فإن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، تعالى جده، ولا إله غيره؛ جعل الإسلام عصمة لمن لجأ إليه، وجنة لمن استمسك به وعض بالنواجذ عليه، فهو حَرَمه الذي من دخله كان من الآمنين، وحصنه الذي من لجأ إليه كان من الفائزين، ومن انقطع دونه كان من الهالكين، وأبى أن يقبل من أحد دينًا سواه، ولو بذلك في المسير إليه جهده واستفرغ قواه، فأظهره على الدين كله، حتى طبق مشارق الأرض ومغاربها، وسار مسير الشمس في الأقطار، وبلغ إلى حيث انتهى الليل والنهار، وعلت الدعوة الإسلامية وارتفعت غاية الارتفاع والاعتلاء، بحيث صار أصلها ثابت وفرعها في السماء، فتضاءلت لها جميع الأديان، وجرت تحتها الأمم منقادة بالخضوع والذل والإذعان، ونادى المنادي بشعارها في جو السماء بين الخافقين: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صارخًا بالشهادتين، حتى بطلت دعوة الشيطان، وتلاشت عبادة الأوثان، واضمحلت عبادة النيران، وذلك المثلثة عباد الصلبان، وتقطعت الأمة الغضبية في الأرض كتقطع السراب في القيعان، وصارت كلمة الإسلام العليا، وصار له في قلوب الخلائق المثل الأعلى، وقامت براهينه وحججه على سائر الأمم في الآخرة والولى، وبلغت منزلته في العلى والرفعة الغاية القصوى، وأقام لدولته ومصطفيه أعوانًا وأنصارًا