فهرس الكتاب
ومضت في زيارتها
وفسر خروجها وتركه في المنزل بأنها لم تعد تعنى به، فآلمه هذا الخاطر ألما شديدا لم يستطع معه البقاء في الدار .. فلما عادت بعد فترة قصيرة لم تجده، وانهالت عليها أمها تأنيبا، فزادها هذا التأنيب شماسا ونفورًا.
ولكن الاستعدادات لليوم المحدد سارت في طريقها المرسوم! .. وجاء في اليوم التالي ونفسه محملة، وحينما استقبلته لمحت ما يختلج في نفسه، فزادها ذلك هما وذبولا.
ثم انفرد بها وراح يعاتبها في خشونة على فعلتها بالأمس، فلم تتراجع، ولم تدركها غريزتها بالحل المناسب. وكانت قسوة التأنيب الذي لقيته من أمها العصبية تملأ نفسها مرارة، إلى جانب مخاوفها من الحياة مع رجل لم يعد ماضيها يهيئ لها في نفسه احتراما، وزادها عتابه الخشن خشية ومرارة، فعاندت عنادا شديدا.
أما هو فكان يحس أنه ضحى بما فيه الكفاية، وأنه احتمل ما فيه الكفاية، وأنه أنفق رصيده كله من العطف والتسامح والإيثار في أيام الصراع والعلاج، وأن له الآن - وقد صار زوجا - أن يتلقى الجزاء تقديرا لموقفه وعرفانا بسماحته، وكان هذا الجزاء الذي يرتجيه، أن يجد بجانبه شريكة خالصة له متوددة إليه.
وأما هي فكانت تخشى أن تتودد كما يريد، فيحمل ذلك منها على ذلة الاعتراف، ومهانة الانكشاف، وكانت تقيس مكانها عنده باحتماله لتدللها، في وقت لم تعد له طاقة لاحتمال الدلال!
فلما اشتدت المناقشة بينهما إلى حد لم تبلغ إليه من قبل أبدًا، خرج من الدار مغضبا، وسار في الطريق ثائرا ... وكانت ذقنه طويلة، وشعوره بطولها يسبب له عادة مضايقة، ويفسد مزاجه كثيرا، فدخل دكان حلاق، وهو لا يدري تقريبا، وفي الفترة التي قضاها في الحلاقة كانت نفسه تصفو، وكان تسامحه يعاوده، وأحس في نفسه بقية من رصيد، فرأى أن يبذله للمرة الأخيرة. وكانت قبل هذه المشادات قد أظهرت رغبتها في مشاهدة أحد الأفلام الجديدة ... ورأى نفسه ينساق مسرورا إلى دار السينما فيقطع ثلاث تذاكر، له ولها ولأخيها الصغير، الذي كان يصاحبهما في معظم الحفلات، لحفظ المظاهر في أنهما لا يختليان بعيدًا!.