فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 80

وأحس وهو يمسك بهذه التذاكر الثلاث أن كوة من الرجاء تنفتح في خاطره، وقدر أن هذه المحاولة اللطيفة سترد إلى الجو صفاءه لأنها مفاجأة لا تنتظرها، وقد خرج بعد المشادة غاضبا !

ودخل الدار متهللا نشيطا فوجدها لا تزال منزوية كئيبة. وقد قاطعت كل من فيها، فلم تتأثر نفسه بانقباضها، وابتسم وقال لها:

= تعالي أحدثك على انفراد

قالت:

= لقد شبعنا من الحديث على انفراد!

وصدمته هذه المقابلة. ولكنه وجد في نفسه سعة لعرض المفاجأة!

وكانا قد وصلا إلى حجرة الجلوس، فأخرج من جيبه الأوراق الثلاث في تمهل، ثم أسرع وهو يبسطها على ظهر البيانو، وقال في ابتسامة ودود:

= هذه تذاكر الرواية وسنشاهدها غدًا!

ولو تلقت المفاجأة كما انتظر لانتهى كل شيء، فقد كان على استعداد في هذه اللحظة لأن يغفر لها مشاداتها جميعا. ولكنها لم تدرك الغرض، فقالت في استخفاف:

= تحسبونني طفلة، تغضبونها وتوبخونها، ثم ترضونها بقطعة من الشيكولاته؟

وانصب عليه ماء بارد، وصغرت في عينه جدا، وتلفت فإذا آخر شعاع في نفسه يخبو، وآخر فسحة في صدره تضيق، وقال في خشونة:

= لم تفهمي قصدي .. إنك صغيرة.

وسمعت أنه يقول لها (( حقيرة ) )، فاتاعت، ورفعت صوتها منفعلة: أي نعم حقيرة! .. حقيرة .. هذا ماكنت أتوقع .. معك حق .. هذا ما كنت أحس. إنك تحتقرني في ضميرك، انكشفت الآخرة ولم يعد شيء مخبوءا ...

وانطلقت من الحجرة غاضبة وهي تبكي في شبه نشيج، وأقبلت أمها فأدركتها رقة عليها بعد ما انبتها بالأمس تأنيبا شديدا، وحسبت أنه هو الاخر يقسو عليها بعدما احتملت منها كل قسوة، وغلبها حنان الأم، وراعها مشهد ابنتها تتعذب عذابا ظاهرا، فأدركتها عصبيتها كذلك، وانطلقت توجه إليه اللوم في عنف شديد ..

قالت:

= إنه لا يكون هكذا يا ابني! .. إن الحياة لا تستقيم على هذا النحو. ولو كانت جارية يعذبها سيدها ما احتملت أكثر من هذا، كل يوم عتاب، وكل يوم مناقشة، وكل يوم تأنيب، أنا من جهة وأنت من جهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت