فهرس الكتاب
يا رحمة للبنت المسكينة! .. سأنتظر حين يجيء أبوها .. إن هذا الحال لم تعد تطاق!
وفوجئ هو بهذه الثورة من هنا ومن هناك في اللحظة التي لم يبق له فيها رصيد للاحتمال وأحس إحساسا قاطعا أكيدا عميقا أن كل شيء قد انتهى، وأنه لم تعد صلة تربطه بها!
وغلا دمه واشتد انفعاله، وانطلق لسانه:
= وهو كذلك .. فأنا الآخر لم أعد احتمل شيئا .. كل شيء يحسن أن ينتهي!
وكانت هذه الكلمات كفيلة بأن تشعر الأم أن الصلة تتقطع، فزادها هذا ثورة وهياجا، وإذا كانت تتقي من قبل شيئا فإنها لم تعد تتقي. وكذلك استمعت الفتاة إلى كلماته وأحست من لهجتها أن كل شيء قد انتهى .. فندت من فيها كلمات كانت الطعنة المجهزة الأخيرة. قالت:
= الحق علي أنا التي قبلتك، بعدما حذرني كثير من الناس! ولم يعد هناك مجال لشيء .. فهذه بالذات لن تكون امرأته في يوم من الأيام .... !
وجاء الوالد .. وعرضت أمها الأمر .. وبدت له جفوة في حديث والدها وأخيها الأكبر يحاولان سترها فتبدو، ولأول مرة سمع أخاها يتهمه في لهجة جافة بأنه لم يكن في الحقيقة جادا في مشروعه، وأنه كذلك كثير الشكوك والمخاوف إلى درجة لا تطاق!
وأدركته روح السخرية بالموقف كله، فأعفته من الردود العنيفة التي كانت تجيش بها نفسه، وأحس في نفسه باشمئزاز من الطبيعة البشرية ومن أهل القاهرة خاصة .. وكانت نشأته في الريف تخيل له أن الناس هناك أحسن أصلا، وأكثر مروءة، وأنقى ضميرًا.
وعلى أية حال فقد اتفق الجميع على اليأس من المشروع، ولم يكن بقي على الموعد إلا ثلاثة أيام. وكان الألم يحز في نفس الوالد، ولا بد أنه كان أعنف في نفس الوالدة.
ولكن الأسرة ردت إليه خاتم الخطوبة والشبكة (( وعلبة الملبس ) )فكانت أشبه شيء في حسه بمخلفات الميت بعد درجه في الأكفان!