فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 80

ودارت عجلة الزمن، فأصبح يقينا ما ليس باليقين .. وعوّده كر الغداة ومر العشي أن الكون يستطيع أن يكون دون أن يكون حبه الكبير! .. وأن الحياة تستطيع أن تمضي وإن وقف حبه إلى حدود وأن القطار والترام يسيران وإن لم ينقلاه إلى هناك!

ولكن الزمن لم يستطع أن ينسيه أن لهذا الترام الخاص سمة خاصة تميزه من كل ترام، إنه ترام مقدس أو مسحور. ويكفي أن يلمح رقمه وهو يسير ليدق قلبه دقات عنيفة، ولتتحرك خطاه ويهم بالركوب. ثم يصحو فيسخر من نفسه، ويقف لحظات يسترد فيها هدوءه ثم يسير.

وظلت هذه الرغبة إلى ركوب هذا الترام تراوده فيصدها عن خاطره، وتعز عليه كرامته، ويتغلب عليها بالسخرية من نفسه تارة، وبالتصميم على مغالبتها تارة، وبالحجة يحاور بها رغبته تارة: لماذا تركب؟ وإلى أين تذهب؟ إنه لسخف تفكيرك ذاك!

وذات يوم يقابله زميل له في المدرسة الأولى، أيام المراهقة، فيسلم عليه باشتياق الزملاء الغيّاب، ويجلسان فترة يتذاكران أيام الصبا قيلتقي شعورهما عليها، ثم يمتد الحديث فيشعر أن هوة تفرقه عن زميله .. لقد وقف تعليم الزميل وثقافته عند حد، بينما مضى هو يتعلم ويتثقف ويوسع معارفه وتجاريبه ... فلما التقى به كان في واد وزميله في واد ...

ويبرد الحديث ويجد في نفسه فراغا منه، ويعتزم أن يستأذن .. وحسبه هذه اللحظات .. ولكن زميله يسأله عن عنوانه فيذكر له رقم مسكنه في الضاحية! ثم يتقدم إليه الزميل ببطاقته وفيها العنوان ..

ماذا؟ إنه يسكن هناك! بل إن داره لا تبعد عن دارها إلا بمحطتين في الترام ... وهنا يعود زميله مخلوقا جديدا في نظره. مخلوقا آخر غير الذي كان .. مخلوقا مسحورا تحف به الأسرار وتحيط به الهالات.

وتراوده نفسه على أن يمد الجلسة .. فيصده عن ذلك أنه استأذن من زميله فعلا .. ولكنه يقول في حراراة واضحة، ولهجة مضطربة، لا يزن فيها الكلمات والإشارات:

= آه .. أنت هناك؟ سأزورك إذن، سأزورك قريبًا!

ويتلقى زميله هذه الرغبة بالترحيب والاستبشار، ولا يلمح شيئا مما وراءها، ولا يجول في خاطره إلا انه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت