فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 80

وغالبه الشوق الجارف لأن يتعرف الدار الجديدة. ولكن إرادته كانت أقوى، فلم يحاول ذلك أياما طويلة، إلا أن زياراته لصديقه لم تنقطع، فالحي الجديد في طريق الحي القديم!

وفي كل مرة كانت تدور المعركة ذاتها، وتنتهي الزيارة كما تنتهي إلا انه في مرة تشجع فطلب إلى زميله أن يرافقه ليتمشيا في الحي الذي ذكره البواب، لأنه يريد أن يسأل عن شأن له هناك!

وكان وجود زميله معه هو المبرر الرسمي لوجوده وسارا حتى وصلا إلى الشارع المطلوب، وظل يتصفح أرقام البيوت دون أن يلفت زميله، وكلما قرب من الدار ارتفعت دقات قلبه وبدا عليه الاضطراب.

وحميت المعركة التي دارت في أول مرة، وزاد الإحراج أنه يسير هنا ولا يركب الترام، وازدحمت الهواتف والرغائب والمخاوف حين صار أمام المنزل ... ولكن هاهي ذي نوافذه مغلقة ولا شيء هناك!.

وكان الجهد قد نال منه، وبدا عليه الإعياء، فلم يجد مشقة في إقناع صديقه أنه متعب، وأنه يحسن أن يعود فيأخذ الترام.

ولم يحاول بعد ذلك أبدا أن يمر في هذا الحي، لقد اطمأن إلى معرفة الدار، كأنما هذا كل ما هنالك , ولكنه لم يتخلف عن زيارة صديقه والمرور على الشارع الذي به الدار من بعيد في الترام!

وفي يوم يلقى زميله في القاهرة، فيسرع إليه ليخبره أنه ترك داره القديمة إلى عنوان جديد، ويخرج من جيبه ورقة ليكتب له فيها العنوان الجديد!

وأخذ أخذة شديدة، وخيل إليه لحظة أنها عملة سخيفة جدًا! .. وكاد لسانه يفلت فيؤنب الرجل عليها! .. ولكنه يتدارك نفسه .. ويخفي تجهم وجهه وملامحه، ويتناول الورقة في برود فاتر: لقد سقطت حجته في أن يذهب بعد اليوم إلى هناك!

وقال الرجل في براءة: ستزورني طبعا في عنواني الجديد! .. قال في برود وشرود: إن شاء الله .. إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت