فهرس الكتاب
الصورة الهاربة ..
تخلفت عنده صورة لم يردها إليها ... لم يكن ذلك عن عمد. كانت هذه الصورة أكبر حجما من أخواتها. وكن جميعا في ظرف صغير، أما هي فكانت في ظرف آخر كبير، وكان قد أهملها في مكانها لأنها صورة (( مهزوزة ) )فلم يكن يراها كثيرا .. لأن الصور الأخرى أوضح وأدق وأجمل. ولكنه أراد أن يردها إليها كما رد رفيقاتها، وبحث عنها فلم يجدها، فأضمر أن يردها حين يعثر عليها.
وحينما هدأت الثورة التي طغت على أحاسيسه، وتكشفت الغمرة التي أغرقت عواطفه، وسار الحنين إلى حوريته الهاربة التي تبدت أسطورة خالدة في حياته .... عندئذ أحس باللهفة والشوق إلى كل أثر من آثارها، وشعر بالحنين المترقرق يهمس في جوانجه؟ يا ليت شيئا من أشيائها يكون في متناوله!
وكان كل شيء يتصل بها من قريب أو بعيد قد بات حبيبا إلى نفسه، ترف عليه روحه ويترقرق الوجد في حناياه وتحف به هالات مسحورة تتراءى خلالها الطيوف والأحلام!
ودب الندم والتمني إلى أحاسيسه في فترات كثيرة: لو أبقيت صورها! إنها لم تطلبها مني! لو أبقيت رسالتها إليّ، وهي رسالة تنطق بنيل ضميرها، ودقة حساسيتها، وتصور حقيقة معدنها، ويقظة شعورها! .. لو أبقيت (( الشبكة ) )وخاتم الخطوبة وهما يساويان - في الذكرى - أضعاف أضعاف ثمنهما! .. لو أبقيت (( علبة الملبس ) )إنها على كل حال أثر منها!. لو عملت، لو أبقيت
وتقلب يده ذات يوم في أوراقه، فإذا هو يعثر على الصورة ... . قفز قلبه قفزة شديدة بين ضلوعه، وبقى فترة طويلة يدق دقا متواصلا عنيفا، وارتجفت يده وهي تتناول في قداسة وروعة، فتقربها من عينيه، فيتطلع إليها هنيهة في شغف واغل وفي صوفية مشرقة، ثم يقربها من فمه فيقبلها قبلة طويلة عميقة، تشترك فيها كل خالجة وكل ذرة فيه، وتستنفد منه طاقة يحس بعدها بالهمود والاسترخاء ... وتترقرق في عينه دموع دموع حارة، فيستسلم بها في راحة لذيذة، وتنقضي فترة طويلة وهو في شبه