فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 80

وجلس حائرًا مكدودًا. أين ذهبت الصورة؟ وقام يعاود البحث من جديد! وتكرر هذا البحث أياما كثيرة، حتى يئس من وجودها، وفرض الفروض الكثيرة لضياعها ... وهنا أحس ما يحسه الوالد يفتقد الوليد، يفتقده تائها خرج ولم يعد للدار. ويحز الألم في نفسه، وتتغشاه لوعة عميقة ويعتاده لهف شديد ... ولكنها ذهبت ضياعًا!

ثم تمضي الأيام، ويحس ذات يوم لهفة للحورية الهاربة من نوع جديد، لهفة يجد لها في روحه رهقًا، وفي حناياه التياعا، ويشعر أنه نفسه تتذاوب حنينا. وأنه كله ذوب متهافت إليها، وكانت هذه اللحظة أقسى على نفسه من كل لحظة سواها، لا يستطيع أن يشفي لهفة، وقد انقطع آخر خيوط الرجاء الضئيل في العودة.

وفي هذه اللحظة يتناول كتابا يحاول أن يهرب إليه من نفسه، ويقلب صفحاته على غير اهتمام. وهنا تبغته المفاجأة العجيبة: الصورة هنا بين طيات ذلك الكتاب!

وخانته قواه، وأفلتت منه إرادته، وبدا في هيئة مضحكة ساذجة غريبة: حدقتاه متسعتان، ونفسه مضطربة، وصدره يعلو ويهبط، والصورة أمامه ضاحكة لا تمتد إليها يداه!

وبعد فترة هدأ اضطرابه، وسكن جأشه، وعاد إليه هدوؤه، فتناولها وضمها إليه في فرح ضمة الوليد العائد بعد اليأس والقنوط، وراح يربت عليها .. فلو رآه أحد في هذه اللحظة لظن بعقله الظنون!

ولم تحاول الصورة بعد ذلك أن تهرب! وقد ألفته! واطمأن قلبه إلى أن بين يديه منها أثرًا. ولم تطاوعه نفسه أن يرد إليها صورتها الأخيرة على الرغم من هتفات ضميره أن يردها إليها.

ووجد المعاذير لنفسه أمام إلحاح هذا الضمير: إنها لم تطلب منه صورها أبدًا، وإنها لتثق أن صورتها عنده كريمة، وأنه لن يسيء إليها بهذه الصورة أبدًا، وإنه ليتوجه إلى الصورة بإحساس مقدس .. وشعور مطهر

ولو أنصف نفسه لقال: إنه لا يقوى على فراق صورتها، فإنها آخر خيط منها، وإنها وحدها تتمثل فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت