فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 80

الشارع الأخير، أحس انه يلتقط أنفاسه، وأنه في مأمن من جاذبية التيار .... فوقفا يستريحان.

كان صاحبه يعلم قصته منذ نشأتها. بل كان يعيش معه القصة في كل فصولها، وكان يعلم أنه قد مضى على آخر لقاء لهما عام كامل بعد أن وقع بينهما ما وقع، مما يؤذن بانفصال لا رجعة فيه، وبعد أن انتهى بينهما كل شيء ولم يبق إلا الذكريات.

وكان صاحبه يعلم مرارة الذكريات وحلاوتها، تلك المرارة وهذه الحلاوة اللتان يمزجهما في كأس واحدة، يخشاها أبدا، ويحن إليها أبدا، ولا يفتأ يتشهاها مرة، ويجفل من مسها مرة، ويصوغ ذلك كله في قصائده وأغانيه، بل يتخذ من ذلك كله مادة حياة.

كان كل شيء قد انتهى، وانتهى بالصورة التي يعييه أن يحاول بعدها وصل ما انقطع، أو رجع ما فات، كانت كبرياؤه تأبى عليه أن يعود، وكانت مرارة الذكرى تطغى على حلاوتها في معظم الأحيان، وكانت تجربته تذكره دائمًا بالآلام.

ولكن هذه التجربة وتلك الكبرياء لم تكن واحدة منها بمستطيعة أن تصرف طيفها عنه، أو تمحو صورتها من نفسه، أو تصرفه إلى حياة أخرى غير الحياة التي رسمها خياله معها. كانت قد استحالت في حياته إلى أسطورة خرافية تسيطر على هذه الحياة.

وكان يزعم لنفسه أو تزعم له نفسه - حينما يسترجع مرارة الكأس المسمومة - أنه قد انصرف عنها، وأن الأسطورة الخرافية قد تنحت عن مجرى حياته، فهو يصرف هذه الحياة كيفما يشاء!

وتحدث بهذا الزعم لنفسه مرة، وتحدث به لصاحبه مرات. ولكنه كان يحس في أعماقه، وهن هذا الزعم وتهالكه، فيزيده هذا الإحساس توكيدًا لما يزعم، ومجاهرة بما يدعي!، كالخائف يهتف بالقوة والتحدي ليتشجع في وجه أشباح الظلام!

وكثيرًا ما راوده صاحبه على أن يحاول العودة والاتصال - وهو يعلم من دخيلة نفسه ما يعلم - فكان هذا يزيده إصرارا على كبريائه، واستعادة لمرارة الذكرى، وادعاء بأنها لم تعد شيئًا في حياته. وإن كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت