فهرس الكتاب
يتخاذل في بعض الأحيان، فيعترف له بأنها أعمق في نفسه من هذا الادعاء ومن تلك الكبرياء، وأن الذي يعصمه من محاولة العودة إنما هو مرارة الذكرى ووخز الأشكواك.
ثم تلت ذلك فترة أحس فيها حقيقة بأن عالمه قد خلا من تلك الاسطورة اللعينة، ولكنه لم يسترح لهذا الإحساس.
لقد شعر بالفراغ والجفاف، وانتابه ما ينتاب المؤمن بعد الإلحاد، وما يصيب الصوفي بعد الضلال!
لقد خلا الهيكل من الصنم المعبود، واستوحش الصوفي من سبحات الشهود، وران على نفسه وعلى العالم كله ظلام وخمود
لقد عادت الحياة تكلفا لا يطاق، وراح يقطعها كما يقطع الأجير المسخر أيامه ولياليه في العمل المجهد الكريه، وليس له منه إلا أجره الزهيد!
ألا ما أشقى الملحدين الحيارى الشاردين عن الهيكل، ولو كانت تعمره الأصنام!
واليوم - بعدما انقضى عام كامل - كان قد تناول الغداء مع صاحبه هذا وصديق ثالث لهما. وهم ثلاثتهم من أصدقاء الصبا، ولكل منهم قصة في حياته تنتهي بالحرمان على نحو من الأنحاء، ولكل منهم موسم يتحدث فيه عن قصته حينما تبدع يد القدر فيها فصلا جديدًا، فحيثما ضمهم مجلس تسللت إلى أحاديثهم قصة من قصصهم الثلاث!
وبعد الغداء ذهب الصديق الثالث لبعض شأنه، بعدما قص على صديقيه فصلا من فصوله، هاج صاحبه لأن يقص عليه بدوره فصلا من قصته: وما يكاد صاحبه ينتهي من هذا الفصل الأخير حتى تنبض في نفسه لهفة خاطفة، وحتى ينسى كبرياءه وادعاءه، وينسى مرارة تجاربه وذكرياته، وحتى يفضي إلى صاحبه بهذه اللهفة العارمة: