فهرس الكتاب
حينما هدأ روعه، واستقرت قدماه في الشارع الموازي للشارع الخطر، كان في حاجة ماسة إلى الوحدة والانفراد، كان يحمل في وطابه ثروة مفاجئة، يريد أن يستعرضها وحده في خفية عن الأنظار!
قال له صاحبه:
= والآن إلى أين؟
قال:
= إلى الضاحية
قال الصاحب:
= وهو كذلك لتستريح!
وسار به مرة أخرى إلى الشارع ليركبه الترام، فلم يحس هذه المرة بالرهبة من الشارع الخطر، ولم يحس باللهفة عليه أيضا.
لقد كان في وطابه من الثروة ما بشغله عن الرهبة واللهفة جميعًا.
وحينما انفرد في الترام كان في غيبوبة حالمة. كانت الأشياء والمناظر والأشخاص تتوالى على عينه المفتوحة كما تتوالى الأطياف الغامضة والرؤى اللطيفة، فلا تترك في حسه إلا ظلالا خفيفة. ومع هذا فقد كان يود الخلاص من هذه الظلال. كان يضم جوانحه في رفق على ومضة من عالم الخلود، لا يجوز أن تخشاها ظلال الزحمة الفارغة في عالم الهالكين.
ثم ركب قطار الضاحية، وإنه ليركبه كل يوم في الصباح والمساء، وإنه ليضيق به في الأيام الأخيرة وبما يثيره من الضجيج والغبار، ولكنه اليوم لا يشعر بهذا الضجيج، ولا يلتفت لهذا الغبار. >>
وإن القطار ليخرج من العمار إلى الصحارى في ساعة الغروب، وإنه ليرسل ببصره كالحالم في هذا الفضاء الجميل، وكأنما يراه أول مرة في هذا الأوان!
في هذا المساء كان كالحالم المخدور، فإذا صحا فليستعيد في خياله موكب الصور المتزاحمة في تلك