فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 80

اللحظة المليئة، وليحاول أن يتخيل كيف كانت سحنته وملامحه بعدما لمح كالبرق سحنتها وملامحها وليسأل نفسه كالأطفال:

أكان يبدو علي التماسك وعدم المبالاة؟

أم كنت خائرًا مضعضع القوى؟

أكنت منفرج الملامح باش السمات؟

أم كنت مقطب الوجه مغضن الجبين؟

ترى أسأت إليها بجمودي وقلة مبالاتي؟

أم ترى استشفت خواطري وانفعالاتي؟

ما الذي كانت تفعله لو لم يكن معي صاحبي؟

ما الذي كنت أفعل لو لاقيتها منفردًا؟

وهكذا وهكذا من هذه الأسئلة الطفولية الساذجة، التي لا يطمئن فيها إلى جواب، والتي كانت تخطر له ببال، لولا الأسطورة التي تظلل حياته، وترده في كثير من الأحيان إلى خواطر الأطفال، ولكنه مع هذا كله لم يكن قلقا ولا مهتاجا، كان هادئ القلب، رضي النفس، نشوان الخيال. لقد أرضاه أنها لاتزال بعد هذا العهد الطويل تضطرب هذا الاضطراب حين تلقاه، وأنه يستطيع أن يتظاهر بالتماسك في وجه هذا الاضطراب!

ولقد أرضاه أنه لا يزال يحمل الشعلة المقدسة بين جنبيه، ويملك هذا السر الذي كان يحسبه قد تاه: سر التوجه إلى الصنم بمثل هذه الحرارة ومثل هذا الاختلاج!

ولقد طمأنه أن صاحبه يقرر - وقد رأى منهما ما راى - أن الستار لم يسدل بعد، وأن الرواية لم تتم فصولا، وأن في الجعبة مخبآت. لقد استمع إلى نبوءة صاحبه هذه في لهفة واشتياق كما يستمع إلى أسعد البشريات!

وكان في الأيام الأخيرة قد ضاق بالعاصمة في حر الصيف، وبرم بالعمل في وقدة الحر، وتجاوز الضيق دائرة العمل ودائرة القاهرة، فشمل الحياة كلها، وشمل الناس والأشياء، وكان قد اعتزم أن يرحل عن العاصمة الكريهة إلى جهة ما، وأن ينجو بنفسه من هذا الضيق المحطم للأعصاب. ولو لبضعة أيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت