الصفحة 102 من 577

وفي ذلك كله دليل على أن الصلاة التي تعمد صاحبها إخراجها عن وقتها , فلا يكفرها أن يصليها بعد وقتها , لأنه لا عذر له , والله عز وجل يقول (إِنّ الصّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مّوْقُوتًا) النساء103 , وليس هو كالذي نام أو نسيها , فهذا معذور بنص الحديث , ولذلك جعل له كفارة أن يصليها إذا تذكرها , ألست ترى أن هذا المعذور نفسه إذا لم يبادر إلى الصلاة حين التذكر , فلا كفارة له بعد ذلك , لأنه أضاع الوقت الذي شرع الله له أن يتدارك فيه الصلاة الفائتة؟

فإذا كان هذا هو شأن المعذور: أنه لا قضاء له بعد فوات الوقت المشروع له , فمن باب أولى أن يكون المتعمد الذي لم يصل الصلاة في وقتها وهو متذكر لها مكلف بها أن لا يكون له كفارة , وهذا فقه ظاهر لمن تأمله متجردًا عن التأثر بالتقليد ورأي الجمهور.

ومما سبق يتبين خطأ بعض المتأخرين الذين قاسوا المتعمد على الناسي فقالوا:"إذا وجب القضاء على النائم والناسي مع عدم تفريطهما , فوجوبه على العامد المفرط أولى".

مع أن هذا القياس ساقط الاعتبار من أصله , لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه , فإن العامد المتذكر ضد الناسي والنائم.

على أن القول بوجوب القضاء على المتعمد ينافي حكمة التوقيت للصلاة الذي هو من شروط صحة الصلاة , فإذا أخل بالشرط , بطل المشروط بداهة.

وقول شيخ الشمال في نشرة له في هذه المسألة: (إن المصلي وجب عليه أمران: الصلاة , وإيقاعها في وقتها , فإن ترك أحد الأمرين , بقي الآخر) , فهذا مما يدل على جهل بالغ في الشرع , فإن الوقت للصلاة ليس فرضًا فحسب , بل وشرط أيضًا , ألا ترى أنه لو صلى قبل الوقت , لم تقبل صلاته باتفاق العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت